كان تلو بطلميوس في العلوم الرياضية والمعقولات، وتصانيفه (أكثر) من أن تحصى، وله في الأخلاق رسالة لطيفة ما سبقه بها أحد. وقد صنف كتابًا في الحيل، بين فيه حيلة إجراء نيل مصر عند نقصانه في المزارع، وحمل الكتاب وقصد قاهرة مصر فنزل في خان، فلما ألقى عصاه قيل له إن صاحب مصر الملقب بالحاكم على الباب يطلبك فخرج أبو علي ومعه كتابه.
وكان أبو علي قصير القامة، وعلى باب الخان دكان فصعد أبو علي الدكان، ودفع الكتاب إلى صاحب مصر، وصاحب مصر راكب حمارًا مصر يًا، مع آلات مفضضة. فلما نظر صاحب مصر في الكتاب قال له: أخطأت فإن مؤنة هذه الحيلة أكثر من منافع الزرع، وأمر بهدم الدكان ومضى، فخاف أبو علي على نفسه، وهرب حين جن الليل، وأقام بالشام عند أمير من أمرائها فاقبل عليه ذلك الأمير، وأجرى عليه أموالًا كثيرة، فقال له أبو علي: يكفيني قوت يوم، وتكفيني جارية وخادم: فما زاد على قوت إن أمسكته كنت خازنك، وإن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي.
فما قبل بعد ذلك إلا نفقة احتاج إليها، ولباسًا متوسطًا. وقد قصده من أمراء سمنان أمير يقال له سرخاب متعلمًا، فقال له أبو علي: أطلب منك للتعليم أجرة، وهي مائة دينار في كل شهر، فبذل ذلك الأمير مطلوبه وما قصر فيه، وأقام عنده ثلاث سنين. فلما عزم الأمير على الانصراف قال له أبو علي: خذ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها وأنت أجوج إليها مني عند عودك إلى مقر ملكك ومسقط رأسك، وإني قد جربتك بهذه الأجرة، فلما علمت أنه لا خطر ولا موقع للمال عندك في طلب العلم، بذلك مجهودي في تعليمك وإرشادك. واعلم ألا أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير ثم ودعه وانصرف.
[ ١٦ ]
وكان أبو علي بن الهيثم ورعًا متعبدًا، معظمًا لأوامر الشريعة، وكان يقول في بعض رسائله: تخيلنا أوضاعًا ملائمة للحركات السماوية فلو تخيلنا أوضاعًا أخرى غيرها ملائمة أيضًا لتلك الحركات لما كان لذلك التخيل مانع، لأنه لم يقم البرهان على أنه لا يمكن أن يكون سوى (هذه) الأوضاع أوضاع أخرى ملائمة مناسبة لهذه الحركات. وطول الكلام، وهذه الرسالة آخر تصانيفه.
واتفق أن قد عرض له إسهال دموي، وكلما تناول شيئًا من القابضات مثل رب السفرجل وقرص التباشير وغير ذلك قاء فأيس من نفسه وقال: ضاعت الهندسة، وبطلت المعالجة وعلوم الطب، ولم يبق إلا تسليم النفس إلى خالقها وبارئها.
ثم توجه تلقاء القبلة بعد ما قاسى الإسهال بأسبوع وقال: إليك المرجع والمصير يا رب، عليك توكلت وإليك أنبت. ومات.
ومن كلماته قوله: إبذل لمعارفك (ودك)، وللمستفيد علمك، واحرص عرضك ودينك.
إذا وجدت كلامًا حسنًا لغيرك فلا تنسبه إلى نفسك، واكتف باستفادتك منه، فإن الولد يلحق بأبيه، والكلام بصاحبه، وإن نسبت الكلام الحسن الذي لغيرك إلى نفسك فسينسب غيرك نقصانه ورذائله إليك.
الإنسان مجبول على أن يتباعد ممن دنا منه، ويدنو ممن تباعد عنه موعظة الحكماء وإن قلت منفعتها عظيمة.