كان الشيخ أبو علي يذمه ويهجن تصانيفه، ويقول في المباحث من حق تصنيفه أن يرد على بايعه، ويترك عليه ثمنه، ولعل ذلك لتحاسد يكون بين أهل العصر.
وأبو الفرج كان من حكماء بغداد وكان حكيمًا ملء إهابه، داخلًا بيت الحكمة من أبوابه، وله تصانيف في المنطق وغير ذلك وقد وجدت له تصنيفًا لطيفًا في كمية الأعمار ورسائل وكان عالمًا باللغة الرومية واليونانية.
وكان أبو علي يعترف بتقدمه في صناعة الطب ثم يعترض على بعض رسائله في الطب ويقول ظننت أن أبا الفرج كان مقدمًا في الطب إلا أن كلامه غير فصيح، فبعضه مستقيم وبعضه سقيم فهو من المستطرفين لا من أصحاب الصناعة وأنا قد رأيت كتابًا لأبي الفرج في علل الأشياء واستفدت منه واعترفت بأنه كان حكيمًا ولكن بينه وبين أبي علي بون بعيد، وأبو علي كان مؤذيًا مهجنًا.
وقد رأيت في بعض الكتب أن أبا علي دخل على الحكيم أبي علي ابن مسكويه صاحب كتاب تجاب الأمم وكتاب الشوامل والهوامل، والتلامذة حوله فرمى أبو علي إليه جوزة وقال بين مساحة هذه الجوزة بالشعيرات، فرفع ابن مسكويه أجزاء في الأخلاق ورماها إلى ابن سينا وقال: أما أنت فأصلح أخلاقك أولًا حتى استخرج مساحة الجوزة وأنت أحوج إلى إصلاح أخلاقك مني إلى مساحة الجوزة.
وهكذا يطعن أبو علي في أثناء تصانيفه على أبي الفرج وليس الذم والتثريب والتهجين من دأب الحكماء المبرزين بل تقرير الحق، ومن قرر الحق، استغني عن تهجين أهل الباطل، صاننا الله عن الرذائل وأسبغ علينا نعم الفضائل.
وقد بعث أبو الريحان البيروني مسائل إلى أبي علي فأجاب عنها أبو علي، واعترض أبو الريحان على أجوبة أبي علي وهجنه وهجن كلامه وأذاقه مرارة التهجين وخاطب أبا علي بما لا يخاطب به العوام فضلا عن الحكماء فلما تأمل أبو الفرج الأسئلة والأجوبة قال: من نخل الناس نخلوه ناب عني أبو الريحان.
وكان أبو الفرج يقول: أنا من أولاد فولوس وفولوس كان ابن أخت جالينوس. ولما بعث الله تعالى عيسى بالحق إلى الناس كان جالينوس شيخا عاجزًا فبعث إلى عيسى ﵇ ابن أخته فولوس واعتذر إليه وقال: أنا محبوس الهرم. وكتب إلى عيسى ﵇ كتابا، وكان عيسى يقرأ ويكتب، ومضمون الكتاب: يا طبيب النفوس ونبي الله ربما عجز المريض عن خدمة الطبيب بسبب عوارض جسمانية، وقد بعثت إليك بعضي وهو فولوس لتعالج نفسه بالآداب النبوية والسلام.
فلما وصل فولوس إلى عيسى أكرمه عيسى ﵇ وصار من الحواريين وكتب عيسى إلى جالينوس: يا من أنصف من علمه، الصحيح لا يحتاج إلى الطبيب إلا في حفظ صحته والمسافة لا تحجب النفوس عن النفوس والسلام وادعت النصارى أن فولوس صار بعد شمعون الصفا نبيا وله كتاب فيه دلائل البعث والحشر.
[ ٦ ]
ومن كلمات أبي الفرج: قوله في هذا العالم ربما صار التولدي توالديا فلا يتعجب من أن يصير نوع التوالدي تولديا لا في هذا العالم كالشمس في ازمان والنار تؤثر فإنها تؤثر في آن، وقال: " آ " لا يكون سببا لوجود " ب " وب لا يكون سببا لوجود " ا " لأن من حق السبب أن يكون متقدما في الوجود على المسبب ومن حق المسبب أن يكون متأخرا، وإذا اعتبرت ذلك عرفت أن " آ " لا تكون علة لما هي " ب " و" ب " علة لوجود " آ ".
وقال: إذا قامت حجتك على الكريم أكرمك ووقرك، وإذا قامت على الخسيس (ازدراك) وامتهنك.
الفقير المتشبه بالغني كالوارم المتشبه بالسمين.
البخيل تغافله عن عظيم الجرم اسهل عليه من المكافأة على صغير الإحسان شرير العالم يفرح بالطعن على من تقدمه من العلماء، ويسوءه بقاء من في عصره منهم، لأنه يحب ألا يكرم سواه، والغالب عليه في العلم شهوة الرياسة.
من مدحك بما ليس فيك فهو مخاطب غيرك، وكذا من هجنك البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل من ماله. إذا أقبلت الدولة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. إذا أصحبت العاقل فأرضه وأسخط حاشيته، وإذا خدمت الجاهل فافعل ضد ذلك.
حرام على الملك السكر فإنه حارس المملكة، وقبيح أن يحتاج الحارس إلى من يحرسه.
الشجاع يختار حسن الذكر على البقاء، والجبان يختار البقاء على حسن الذكر.
الأماني أحلام المستيقظ. وقال: أول ما يظهر بعد الطوفان والأمراض الوبائية المفنية للناس الضروريات من الملابس والمآكل، ثم بعد ذلك يطلبون الحسن منها.
الجند والمدن والحصون تتخذ أولا هربا من السباع الضاربة ثم بعد ذلك لتوقي (الناس) بعضهم من بعض.
إذا تمسك الأبناء بسنن الآباء فربما داخلتهم المصيبة فدعت الضرورة إلى صاحب شرع حق يدعوهم إلى شئ واحد فيه صلاحهم.