إن القواعد التي وضعها مؤلفو كتب المصطلح اجتهادية، منها ما هو مبنيٌّ على استقراءٍ تام، ومنها - وهو أغلبها - ما هو مبني على استقراء غير تام.
وكذلك الحكمُ على الرواة في الغالب، لم يُبْنَ على الاستقراء التام؛ فالأحكام الصادرة عن الأئمة النقاد تختلفُ باختلافِ ثقافاتهم، وقدراتهم العلمية والذهنية، والمؤثرات التي أحاطَتْ بهم، وبحسب ما يتراءى لهم من حال الراوي تبعًا لمعرفتهم بأحاديثه ونقدهم مروياته، وتَبَيُّنهم فيه قوة العدالة أو الضبط أو الضعف فيهما، وقد رَأيْنَا منهم من ضعف محدثًا بسبب غلطٍ يسيرٍ وقع فيه لا وزن له بجانب العددِ الكثيرِ مِن الأحاديث الصحيحة التي رواها، ووجدنا منهم من يُوَثِّق محدثًا على الرغمِ من كثرةِ أوهامه وأخطائِه، قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب "سبل السلام" في رسالته: "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد": "قد يختلِفُ كلامُ إمامين من أئمةِ الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد، فَيُضَعِّفُ هذا حديثًا، وهذا يُصححه، ويرمي هذا رَجُلًا مِن الرواة بالجرح، وآخر يُعَدِّله، وذلك مما يُشعر أن التصحيحَ ونحوه من مسائِل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراءُ" (١).
وقال الحافظ المنذري في جوابه عن أسئلة في الجرح والتعديل ص ٨٣: واختلاف المحدثين في الجرح والتعديل كاختلاف الفقهاء، كل
_________________
(١) "إرشاد النقاد": ١٣.
[ ١ / ٢٥ ]
ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شُهِدَ عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مُؤَثِّر أم لا؟ وكذلك المحدِّث إذا أراد الاحتجاجَ بحديث شخص، ونُقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه: هل هو مؤثر أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحًا في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه.
ومن ثم جاءت ألفاظهم في الحكم على الراوي متفقة حينًا ومختلفةً حينًا آخر تبعًا لاختلاف اجتهاداتهم في الحكم على الراوي.
وقال الترمذي في كتابه "العلل" ١/ ٣٢١: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا في [ما] سوى ذلك من العلم، ذُكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم، ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء في الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفي، وإبراهيم بن مسلم الهجري، ومحمد بن عبيدالله العرزمي، وغيرِ واحد ممن يُضعفون في الحديث.