استعمَلَ المتقدمون عباراتٍ خاصةً بهم في توثيق الرجال وتضعيفهم
[ ١ / ٤٠ ]
وهي تختلِفُ مِن عالم إلى آخر من حيث ألفاظُها ودلالَاتُها، وربما تختلِفُ عندَ العالم الواحد مِن موضع إلى آخر، لِعدم وجودِ اصطلاح متفقٍ عليه بينهم، فلا بُد من معرفة المراد من تلك العباراتِ التي يقولها أحدهم في حق الرواة ومصطلحاتهم فيها؛ لأنها عماد "الجرح والتعديل" ومعيارُ الحكم على الرواة، ومدار تصحيح الأحاديث أو تضعيفها بالجملة.
فقول البخاري في الراوي: "سكتوا عنه" يعني أنه متروك، وقوله فيه: "فيه نظر" يطلقها في من هو أسوأ حالًا من الضعيف، وعبارة: "مقارب الحديث" للحسن الحديث، وقد صرح بأن من قال فيه: "منكر الحديث"، لا تحل الرواية عنه.
وكان عبد الرحمن بن مهدي يستعمل لفظة "الصدوق" للثقات الذين هم دون الإثبات، فقد قيل له: أبو خلدة (خالد بن دينار التميمي السعدي البصري) ثقة؛ فقال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة" (١). وأبو خلدة هذا مجمع على توثيقه، كما بيناه في تحرير أحكام التقريب"، ومع ذلك قال ابن حجر في "التقريب": "صدوق" لعدم إدراكه لمدلول هذا اللفظ عند ابن مهدي كما يظهر.
وقول ابن معين في الراوي: ليس بشيء، يعني أن أحاديثه قليلة أحيانًا، ويعني تضعيف الراوي وسقوطه أحيانًا.
وقوله في الراوي: لا بأس به، أو ليس به بأس، فهو ثقة عنده.
وقول الإِمام أحمد في الراوي: منكر. يطلقها على الثقة الذي يُغرب
_________________
(١) "الجرح والتعديل": ٢/ ٣٧، و٣/الترجمة ١٤٧١، و"تاريخ البخاري الكبير": ٣/ الترجمة ٥٠٠.
[ ١ / ٤١ ]
على أقرانه بالحديث، أي: يتفرد وإن لم يخالف، عُرفَ ذلك بالاستقراء من حاله.
وأكثر المحدثين إذا قالوا في الراوي: مجهول يريدون غالبًا جهالة العين، وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف والحال.
أما ابن أبي حاتم فجعل الرواة أربعة أصناف (١):
١ - الثقة أو المتقن الثبت، فهذا ممن يحتج به.
٢ - صدوق أو محله الصدق أو لا بأسَ به، فهو ممن يُكتب حديثه وينظر فيه.
٣ - أما الطبقة الثالثة، ففصل فيها على أوجه:
أ - شيخ، وهو الذي يُكتب حديثُه وينظر فيه، إلا أنه دونَ الصدوق.
ب - صالحُ الحديث، وهو الذي يكتب حديثه للاعتبار.
جـ - لين الحديث، وهو الذي يُكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا.
د - ليس بقوي، وهو الذي يكتب حديثه وينظر فيه أيضًا، لكنه دونَ "لين الحديث".
هـ - ضعيف الحديث، لا يُطَّرَح حديثُه، بل يُعتبر به.
٤ - أما الصنف الرابع، فهو المتروك، والذاهبُ الحديث والكذاب، فهذا لا يُكتب حديثه.
فهذا اصطلاح خاصٌّ به، ويُفهم من لفظة "صدوق" عنده أنها لا
_________________
(١) انظر "الجرح والتعديل": ٢/ ٣٧.
[ ١ / ٤٢ ]
تعني الحديثَ الحسنَ، بل دونه، وهو الذي يصلح للمتابعات والشواهد.
على أن هذه الاصطلاحات عند أبي حاتم لا تسيرُ على نمط واحد، فقد عرفنا بالاستقراء أنّه يُطلق لفظة "صدوق" على شيوخه الثقات الذين ارتضاهم وروى عنهم، ويُريد بها "ثقة"، وإنما استعمل هذه اللفظة، كما يبدو، تواضعًا (١)، ولم ينتبه الحافط ابن حجر إلى هذه المسألة، ولا أحدٌ ممن جاءَ بعده.
وحين وضع الحافط شمس الدين الذهبي كتابه النفيس "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وجد أمامَه كمًّا كبيرًا من هذه الألفاظ حاولَ أن يجعلَها صِنفين، فذكر أربع عشرة لفظةٍ وعبارة في الرواة المقبولين، وذكر اثنتين وثلاثين لفظةً وعبارة في المجروحين، عدا مجهولي العين والحال المستورين. وهذه الألفاظ في حقيقتها هي بعض التعابير التي استعملها المتقدمون، وكل حسب تعبيره وفهمه ونهجه ومقصوده منها.
وهذا يَدُلُّ مِن غير شك أن أهلَ العلم لم يتفقوا على تعابير بعينها في تلك الأعصر، مما يتعينُ دراسة ألفاظ كل عالم منهم على حِدة وتحديد مراده من ألفاظه، وكثير من هذه الألفاظ هي ألفاظ وصفية لا اصطلاحية.
أما الحافظُ ابنُ حجر، فقد حاول في مقدمة "التقريب" أن يجعلَهم اثني عشر صنفًا بما فيهم الصحابة، فإذا استثنيناهم، بقي عندنا أحدَ عشر صِنفًا، ولم يُبين غايتَه الواضحةَ من هذا التصنيف، وماذا تعد مرتبة حديثِ
_________________
(١) انظر مثلًا لا حصرًا: "تهذيب الكمال" ٢٠/ ٣٨١، ٤٠٦، ٤٥١، ٤٥٦، و٢١/ ٦٠٣، و٢٢/ ٩٩، ١٤٦، و٢٤/ ٣٥٠، ٣٩٣، ٤٧٣، ٤٧٩، و٢٥/ ٤٢، ٨١، ٥٧٢.
[ ١ / ٤٣ ]
كل واحدٍ منهم، فضلًا عن اضطرابه اضطرابًا شديدًا في هذه الألفاظ وعدم التزامه الدِّقة، تارةً يُطلق لفظة "صدوق" على من هو ثقة، وتارة يطلقها على من هو حسنُ الحديث، وتارة يطلقها على مَنْ هو دُونَ ذلك. أما قولُه "صدوق يهم"، أو "صدوق يُخطئ" ونحوها، فهي عبارات غالبًا ما يطْلِقُها على المختلَفِ فيهم من غير دراسة وتدبرٍ لأقوال أئمة الجرح والتعديل، أو دراسةٍ لحديث الراوي.
إن هذا التباينَ الشديدَ في الألفاظ والعبارات وكثرتها، واختلاف مدلولاتها بينَ عالمٍ وآخر، ومِن عصرٍ لآخر يقتضي عملًا علميًّا من أهلِ عصرنا لِوضع ضوابط لها وتصنيفها إلى مجموعات تَدُلُّ كُل مجموعة على رُتبة معينة يُوصَفُ بها الراوي، ويتبعه وصفُ إسناد الحديث عند تفرده به، وليتمكن الباحثون في السنة النبوية إدخالَ هذه الألفاظ في "الحاسوب" تمهيدًا لجمع السُّنة وغربلتها وتصنيفها.