لقد تبين لنا من دراستنا لِكتب الرجال، وتَتَبُّعِنَا لأحوالِ الرواة أن جملةً
_________________
(١) "الثقات": ٤/ ٣١٨.
(٢) "الثقات": ٦/ ١٤٦.
(٣) "الثقات": ٦/ ١٦٨، وانظر أيضًا ٦/ ١٧٨.
[ ١ / ٣٤ ]
من الرواة الثقات جُرِّحُوا لأسبابٍ لم يعتَد بها النقادُ الجهابذةُ الأُوَل، منها:
١ - الجرحُ بسبب المخالفة في العقائد، وهو ما يُعرف عند أهل السنة بالبدعة غيرِ المُكفّرة، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والواقفية، ونحوهم، قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" (١): "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكَفَّر ببدعته، لأن كلَّ طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعةٌ: وقد تُبالغ فتكفِّرُ مخالفيها، فلو أُخِذ ذلك على الإِطلاق، لاستلزَمَ تكفير جميع الطوائف. فالمعتمدُ أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسَهُ، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضمَّ إلى ذلك ضبطُهُ لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانعَ من قبوله".
وقال في "هدي الساري": "وأما البدعةُ، فالموصوفُ بها إما أن يكونَ ممن يُكَفَّرُ بها أو يُفَسَّق، فالمكفَّر بها لا بد أن يكونَ ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك والمُفَسَّقُ بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلُوَّ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصولِ السنة خلافًا ظاهرًا، لكنه مستندٌ إلى تأويل ظَاهِرُه سائِغٌ.
فقد اختلف أهل السنة في قبول حديثِ مَنْ هذا سبيلُه إذا كان معروفًا بالتحرُّزِ من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءةِ، موصوفًا بالديانةِ والعِبادة، فقيل: يُقبل مطلقًا، وقيلَ: يُرَدُّ مطلقًا، والثالث: التفصيلُ بين
_________________
(١) ص: ٥٢.
[ ١ / ٣٥ ]
أن يكونَ داعية أو غير داعية، فَيُقْبَلُ غيرُ الداعية، ويردُّ حديثُ الداعية، وهذا المذهب هو الأعدلُ، وصارت إليه طوائفٌ من الأئمة، وادَّعى ابنُ حبان إجماعَ أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر.
ثم اختلف القائلون بهذا التفصيلِ، فبعضهم أطلقَ ذلك، وبعضهم زاده تفصيلًا، فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يُشيِّد بدعته ويُزينه ويُحسنه ظاهرًا، فلا تُقبَلُ، وإن لم تشتمل فَتُقْبَلُ. وطَرَّد بعضُهم هذا التفصيلَ بعينه في عكسه في حقِّ الداعية فقال: إن اشتملت روايتُه على ما يَرُدُّ بدعته قبل، وإلا فلا. وعلى هذا إذا اشتملت روايةُ المبتدع، سواء كان داعيةً أم لم يكن على ما لا تَعَلُّقَ له ببدعته أصلًا هل تُرَدُّ مطلقًا أو تُقبل مطلقًا؟ مال أبو الفتح القشيريُّ إلى تفصيل آخر فيه، فقال: إن وافقه غيرُه، فلا يُلتفت إليه هو إخمادٌ لبدعته، وإطفاءٌ لناره، وإن لم يُوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب، واشتهارِه بالدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته، فينبغي أن تقدم مصلحةُ تحصيل ذلك الحديث، ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته، والله أعلم" (١).
أما المتقدمون، فوجدنا أكثرهم لا يَعْتَدُّ ببدعة الراوي إن كان صادقًا أمينًا، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" عن كثير ممن رُمِيَ بالبدعة، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، ونحوهم، ومنهم من كان داعية لمذهبه (٢).
_________________
(١) "هدي الساري": ٣٨٥.
(٢) عقد الحافظ ابن حجر فصلًا في "هدي الساري" لمن رمي بالبدعة، وأخرج له البخاري أو البخاري ومسلم في "صحيحيهما" فراجعه، ففيه فوائد جمة، ٤٥٩ - ٤٦٠.
[ ١ / ٣٦ ]
وكان كثيرٌ من جهابذة الجرح والتعديل يوثِّقُ الراوي مع ذكر بدعته إشارةً منه إلى أن بدعته تلك لا تُؤثِّرُ في وثاقته وصحة روايته، فقد سُئِلَ يحيى بن معين عن سعيد بن خُثَيم الكوفي، فقال: كوفيٌّ ليس به بأس، ثقة. فقيل ليحيى: شيعي؟ فقال: وشيعي ثقة، وقدري ثقة (١). وقال في الحارث بن حَصيرة الأزدي أبي النعمان الكوفي: خَشَبِيٌّ ثقة، وقال أبو داود: شيعي صدوق. والحارث هذا قال فيه ابن عدي: وهو أحدُ من يُعد من المحترقين بالكوفة في التشيع (٢)! وكان عبَّادُ بن يعقوب الرواجني الكوفي شيعيًا جَلْدًا، ومع ذلك فقد كان ابنُ خزيمة يقول: "حدثنا الثقةُ في روايته، المتهمُ في دينه عبَّادُ بن يعقوب! "، ووثقه أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: شيعي صدوق (٣). وكان يعقوبُ هذا كما قال ابن عدي: فيه غلو في التشيع (٤).
ومن الأمثلة القوية على عدم اعتبار السلف المتقدمين للعقائد في توثيق الرواة هو عبدُ الرحمن بن صالح الأزدي العتكي، فقد ذُكر عنه أنه كان يروي أحاديثَ سوء في مثالب أصحاب رسول الله - ﷺ - وأزواجه، وهو شيعي محترق كما قال ابن عدي، ومع كل ذلك فقد قيل لأحمد: إنه رافضي، فقال أحمد: سُبحان الله، رَجُلٌ أحَبَّ قومًا من أهل بيت النبي - ﷺ - نقول له: لا تحبهم؟ هو ثقة. وقال ابن معين: ثقة صدوق شيعي، لأن يَخِرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يَكْذِبَ في نصف حرف. وقال
_________________
(١) "سؤالات ابن الجنيد": الورقة ٤١، و"تهذيب الكمال" ١٠/ ٤١٤.
(٢) انظر تفاصيل ذلك في "تهذيب الكمال": ٥/ ٢٢٤ - ٢٢٦.
(٣) "تهذيب الكمال": ١٤/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٤) وأخرج له البخاري في الصحيح مقرونًا بغيره.
[ ١ / ٣٧ ]
موسى بن هارون: كان ثقة، وكان يُحدث بمثالب أزواج رسول الله - ﷺ - وأصحابه (١).
فإذا كان الأمر هكذا في هذا الشيعي المحترق، الغالي في تشيعه، فما بالُك بمن رُمِيَ بشيءٍ يسيرٍ منه، كالأعمش، وعبد الرزاق، والحسن بن صالح بن حي وأضرابهم من ثقات المحدثين؟
ولا نَعْلَم في النقاد أكثرَ تشددًا من يحيى بن سعيد القطان، وهو يقول في ترجمة عباد بن منصور الناجي البصري الذي اتهم بالقدر: "عباد بن منصور ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه - يعني: القدر" (٢).
وكان حريزُ بن عثمان الرحبي ناصبيًا محترقًا، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص عليًّا وينالُ منه، وكان حافظًا لحديثه، وقال في موضع آخر: ثبتٌ شديد التحامل على علي، ووثقه جمهور الأئمة، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، وقال الذهبي في "الميزان": "كان متقنًا ثبتًا، لكنه مبتدع"، وقال في "الكاشف": "ثقة وهو ناصبي"، وقال في "الديوان": "ثقة لكنه ناصبي مبغض" (٣).
٢ - ومِن ذلك تضعيفُ بعض الرواةِ لِدخولهم في عملِ السُّلطان، وهو أمرٌ غريب لا علاقةَ له البتةَ بحفظِ الراوي وإتقانه وضبطه وتحريه وورعِه ودينه، فانظر قولَ ابن حجر في ترجمة حميد بن هلال العدوي، وهو أحدُ العلماء الثقات المتفق عليهم: "توقف فيه ابنُ سيرين لِدخوله في عمل السلطان" (٤)، فما الفائدةُ المرجوةُ مِن ذكر هذه العبارة في هذا
_________________
(١) "تهذيب الكمال": ١٧/ ١٨٠ - ١٨٢.
(٢) "الجرح والتعديل": ٦/ الترجمة ٤٣٨، و"تهذيب الكمال" ١٤/ ١٥٨.
(٣) "تهذيب الكمال": ٥/ ٥٦٨ - ٥٧٩.
(٤) الترجمة ١٥٦٣.
[ ١ / ٣٨ ]
الكتاب المختصر المعتصر، وهو الذي يقول في موضع آخر عن مثل هذا التضعيفِ: "ولا أثر لذلك التضعيفِ مع الصدق والضبط" (١).
٣ - والأسوأ من كُلِّ هذا: التضعيفُ لموضع الرأي، كما رأينا ذلك في كثيرٍ من الرواة الكوفيين الثقاتِ من أصحاب أبي حنيفة ﵀، مع أن كثيرًا ممن ضُعِّفَ لأجلِ هذا كانوا من ذوي الرأي السديد المُشيد على الكتاب والسُّنة، وقد سلكوا فيه طريقًا محمودًا كسائِرِ الأئمة المتبوعين، وَكانَ له الأثرُ الكبير في إغناءِ الفقه الإسلامي بتشريعات وافية، وحلولٍ عملية لما يستجِدُّ من الحوادث والقضايا.
٤ - ومنه كلامُ الأقران بعضهم في بعض، وهو غير مقبول إذا كان صادرًا عن عصبية مذهبية، أو منافسة دنيوية، ولا يوجب طعنًا على القائل ولا على المقول فيه، فلا يُسمع مثلًا قولُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن في أبي الزناد عبدِ الله بن ذكوان، ولا كلام النسائي في أحمد بن صالح، ولا كلام الثوري في أبي حنيفة، ولا كلام ابن أبي ذئب في مالك.
٥ - ومنه أيضًا التضعيفُ بسبب الخطأ اليسير، كأن يُخطئ الثقةُ في حديثٍ، أو في بضعةِ أحاديث. ومعلوم عندَ العلماء أن إطلاقَ لفظ "ثقة" على راوٍ من الرواة يعني أن أكثر حديثه صحيح، ونادرًا ما يَقَعُ له الخطأ أو الوهم أو المخالفة. والثقات يقعُ لهم الوهم، بل لا يكاد يَنْفَكُّ منه عظماءُ المحدثين الثقات الأثبات كشُعبة والسفيانين، وغيرهم. ولذلكَ فإن إلصاقَ الوهم، أو الخطأ، أو الإغراب في الثقات أو الصادقين الذين يَنْدُرُ الخطأ عندهم فيه مجانبة للنهج الأعدل.
ويتعين التنبيهُ هنا، نتيجة لما ذكرنا، أن لا يُكتفى بدراسة الإسنادِ
_________________
(١) "هدي الساري": ٣٨٥.
[ ١ / ٣٩ ]
فَيُحكم على متن الحديث بالصحة جملة، وإنما ينتقل بعد التأكد من صحة الإسناد إلى دراسة المتن ومعرفة اتفاقه مع أحاديث الثقات، وأن لا تكون فيه مناقضة للأصول والمعقول.
٦ - وأسوأ من هذا كُلِّه تضعيفُ من ضَعَّف مَن هُو أوثقُ منه أو أعلى قدرًا أو أعرفُ بالحديث، فقد تكلّم الكُديمي في أبانَ بن يزيد العطار، والكديمي ضعيف، وتكلم الأزدىُّ في عددٍ كبير من الثقات، وهو متكلَّمٌ فيه، فلا يُعْتدُّ بمثل هذا.
٧ - تفرد بعض العلماء بالجرح دونَ جمهور العلماء، ولا يُعتد بمثل هذا لشذوذه ومخالفته الجمهور.
٨ - ومنه اتِّهامُ بعض الرواة بالاختلاط مع أنهم لم يُحدثوا في حال اختلاطهم، أو وصفِ النسيان عند كِبَرِ السِّن بأنه اختلاط، أو عدم التمييز بَيْنَ مَنْ روى عن الشيخ قبل اختلاطه وبعده، فَيُحْكَمُ على كلِّ رواياته بالضعف بسبب اختلاطه.
٩ - ومن ذلك أيضًا وصفُ عدد من التابعين الذين لم يُدركوا أحدًا من الصحابة، أو بعضهم، وأرسلوا أحاديثهم بالتدليس مثل سليمان بن مهران الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى بن أبي كثير، والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي ونحوهم.
فهؤلاء وأمثالهم إذا رَوَوْا عن الصحابة لم يُقبل حديثُهم إلا إذا صرحوا بالسماع منهم، أما إذا رَوَوْا عن التابعين ولم يصرِّحوا بالسماع، فَيُقْبَلُ حديثهم.