إن الإمام النووي الذي أكرمه الله -﵎- بالعيش مع كلام أفضل خلق الله محمد - ﷺ -، وقضى أغلب أوقاته في سماع الحديث الشريف من أفواه كبار الحُفَّاظ في الشام؛ متعرِّفًا بذلك على دقائق سنَّة رسول الله - ﷺ -، وكان حريصًا على الالتزام الكامل بكل ما يتعلمه من الكتاب والسنة، فجمع في ذلك بين العلم والعمل.
ومن خلال حياته في القرن السابع الهجري رأى بعض الناس يقومون بتصرفات على خلاف سنة أبي القاسم -﵊-، وجاؤوا بأشياء لا أصل لها في دين الله ﷿، وقد قام الإمام النووي بدوره، فنبَّه الناس لخطر ذلك، وحذَّرهم منها، ومن الاغترار بأصحابها، داعيًا لهم للتمسك الكامل بالكتاب والسنَّة، ونبذ ما عدا ذلك.
وفيما يلي أمثلة حيَّة على ذلك:
سُئِل الشيخ محيي الدين: هل هذا الحديث الذي يقوله عوامُّ أهل الشام أن النبي - ﷺ - قال: "مَن زارني وزار أبي إبراهيم في سنة واحدة؛ ضَمِنْتُ له على الله الجنَّة" (١).
_________________
(١) "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ١١٧)، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/ ٦١).
[ ١٦٧ ]
ويقولون: "مَن حجَّ؛ فليُقَدِّسْ حجته في سنته".
يعنون: يزور بيت المقدس في سنة الحج.
هل لهذين أصل أم لا؟
وقد أجاب على ذلك الإمام النووي بقوله: "الحديث المذكرر باطل وموضوع، ولا أصل لواحد من هذين الأمرين المذكررين، لكن زيارة الخليل - ﷺ - وبيت المقدس فضيلة لا تختص بالحاج، ولو تركهما الحاج؛ لم يؤثر ذلك في صحة حجّه" (١).
ويقول الشيخ محيي الدين عن ذلك أيضًا (٢): "وهذا باطل؛ ليس هو مرويًّا عن النبي - ﷺ -، ولا يُعْرَف في كتاب صحيح ولا ضعيف، بل وضعه بعض الفجرة".
وقد حذَّر ﵀ من رواية الحديث الموضوع والضعيف، وعدم بيان حاله، وأن مَن يفعل ذلك؛ فهو داخل في قوله - ﷺ -: "إنَّ كذبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ، فمَن كذب علي متعمدًا؛ فَلْيَتبوَّأ مقعده من النار" (٣).
وبين ﵀ أنْ لا فرقَ في ذلك بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه؛ كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فقال: "لا
_________________
(١) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٢٦٦ و٢٦٧). وزيارة الخليل إبراهيم ﵇ لا يجوز أن تشد إليها الرحال، وإن ثبت أنه قبره جازت زيارته من غير شد رحل، ولكن الصلاة فيما يسمى (مغارة الأنبياء) أو فوق تلك المقبرة مما لا يجوز شرعًا، فضلًا عن التبرك بها.
(٢) "المجموع" (٨/ ٢٧٧).
(٣) أخرجه البخاري في "الصحيح" (٣/ ١٦٠) (رقم ١٢٩١)، ومسلم في مقدمة "الصحيح" (١/ ١٠) (رقم ٣)؛ من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
[ ١٦٨ ]
فرق في تحريم الكذب عليه - ﷺ - بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه؛ كالترغيب، والترهيب، والمواعظ، وغير ذلك، فكلُّه حرام، من أكبر الكبائر، وأقبح القبائح، بإجماع المسلمين الدين يُعتدُّ بهم في الإجماع؛ خلافًا للكَرَّامية، الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الدين ينسبون أنفسهم إلى الزُّهد، أو ينسبهم جهلةٌ مثلُهم.
وشُبْهَةُ زعمهم الباطل أنه جاء في رواية: "من كذبَ عليَّ متعمدًا؛ ليضلَّ به؛ فليتبوأْ مقعَدَهُ مِن النار" (١).
وزعمَ بعضُهم أن هذا كذب له ﵊ لا كذب عليه.
وهذا الذي انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهل، ونهاية الغفلة، وأدلّ الدلائل على بُعدهم من معرفة شيء من قواعد الشرع، وقد جمعوا فيه جملًا من الأغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة، وأذهانهم البعيدة الفاسدة، فخالفوا قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقفُ مَا ليَس لَكَ بِه عِلم إِنَ اَلسمَعَ وَاَلبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئكَ كانَ عَنْهُ مَسئُولا﴾ (٢) وخالفوا صريحَ هذه الأحاديث المتواترة، والأحاديث الصريحة المشهورة في إعظامِ شهادةِ الزُّورِ.
وخالَفوا إجماعَ أهلِ الحلِّ والعَقْد، غير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس، فكيف بمَن قوْلُه شرعٌ، وكلامُه وحي؟!
_________________
(١) وهو منكر بهذه الزيادة، انظر: "السلسلة الضعيفة" (رقم ١٠١١).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
[ ١٦٩ ]
وإذا نُظِر في قولهم؛ وُجِد كذبًا على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١).
ومن أعجب الأشياء قولُهم: هذا كذب له! وهذا جهلٌ منهم بلسانِ العرب وخطاب الشرع، فإن كل ذلك عندهم كذب عليه.
وأما الحديث الذي تعلَّقوا به؛ فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحسنُها وأخصرُها: أن قولَه: "ليضلَّ الناس"؛ زيادة باطلة، اتفق الحفاظ على إبطالها، وأنها لا تُعرف صحيحة بحال.
الثاني: جواب أبي جعفر الطحاوي: أنها لو صحت؛ لكانت للتأكيد؛ كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ليضل الناس﴾ [الكهف: ١٥] (٢).
الثالث: أن اللام في "ليضلّ" ليست لام التعليل، بل هي لام الصيرورة والعاقبة، معناه: أن عاقبة كذبه ومصيره إلى الإضلال به؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا (٨)﴾ [القصص: ٨] (٣).
ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن يحصر، وعلى هذا يكون معناه: فقد يصير أمر كذبه إضلالًا.
وعلى الجملة: مذهبهم أركُّ من أن يُعتنى بإيراده، وأبعد من أن يُهْتَمَّ بإبعاده، وأفسد من أن يُحتاجَ إلى إفساده، والله أعلم.
الرابعة: يحرمُ رواية الحديث الموضوع على عرف كونه موضوعًا، أو غلب على ظنه وضعه، فمَن روى حديثًا -علم أو
_________________
(١) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٤.
(٣) سورة القصص، الآية: ٨.
[ ١٧٠ ]
ظن وضعه-، ولم يبين حالَ روايته وضعَهُ؛ فهو داخل في هذا الوعيد، مندرجٌ في جملة الكاذبين على رسول الله - ﷺ -.
ويدلُّ عليه أيضًا الحديث السابق: "مَن حدث عني بحديث يُرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبَيْن" (١).
ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث، أو ذِكْرَه، أن ينظر، فإن كان صحيحًا أو حسنًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ - كذا، أو فعله، أو نحو ذلك من صيغ الجزم. وإن كان ضعيفًا؛ فلا يقل: قال، أو فعل، أو أمر، أو نهى، وشبه ذلك من صيغ الجزم، بل يقول: رُوِيَ عنه كذا، أو جاء عنه كذا، أو يُرْوَى، أو يُذْكَر، أو يُحْكَى، أو يُقال، أو بلغَنا، وما أشبهه، والله سبحانه أعلم" (٢).
وسُئِلَ الإمام النووي عن الذي يفعله بعض المصلين بالناس في صلاة التراويح، وهو قراءة سورة (الأنعام) في الركعة الأخيرة من صلاة التراويح في الليلة السابعة من شهر رمضان أو غير السابعة هل هو سنة أو بدعة؟ فقد قال قائل بأنها: نزلت جملة واحدة، فهل هذا ثابت في الصحيح أم لا، وهل فيه دليل لما يفعلونه، فإن كانت بدعة؛ فما سبب كراهتها؟
وقد أجاب الشيخ على ذلك بقوله: "هذا الفعلُ المذكورُ ليس سنة، بل هو بدعة مكروهة، ولكراهتها أسباب:
منها: إيهام كونها سُنَّة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (١/ ٩)، والترمذي في "الجامع" (رقم ٢٦٦٤)، وابن ماجه في "السنن"، (رقم ٣٨) وغيرهم.
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ٧٠ - ٧١).
[ ١٧١ ]
ومنها: تطويل الركعة الثانية على الأولى، وإِنما السُّنةُ تطويل الأولى. ومنها: التطويل على المأمومين وإنما السنة التخفيف.
ومنها: هذُّ القراءة، وهَذْرَمَتها.
ومنها: المبالغة في تخفيف الركعات قبلها.
وغير ذلك من الأسباب.
ولم يثبت نزول (الأنعام) دفعة واحدة، ولا دلالة فيه لو ثبت لهذا الفعل، فينبغي لكل مصلٍّ اجتناب هذا الفعل، وينبغي إشاعة إنكار هذا، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم يُنْقَل هذا الفعل عن أحد من السلف، وحاشاهم" (١).
وسئل عن القراءة التي يقرؤها بعض الجهلة على الجنائز بدمشق؛ بالتمطيط الفاحش، والتغنِّي الزائد، وإدخال حروف زائدة في كلمات، ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم؛ هل هو مذموم أم لا؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هذا منكر ظاهر، ومذموم فاحش، وهو حرام بإجماع العلماء، وقد نقل الإجماع فيه الماوردي، وغير واحد، وعلى ولي الأمر -وفقه الله تعالى- زجرهم عنه، وتعزيرهم، واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلَّف تمكَّن من إنكاره" (٢).
وقال في "الأذكار": "وأما ما يفعله الجهلةُ من القراءة على الجَنازة بدمشق وغيرها؛ من القراءة بالتَّمطيط، وإخراج الكلامِ عن مواضعِهِ، فحرامٌ بإجماعِ العلماء" (٣).
_________________
(١) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٤٧ و٤٨).
(٢) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٤٦ و٤٧).
(٣) "الأذكار" (ص ٢٠٣).
[ ١٧٢ ]
وحذَّر الإمام النووي من الاجتماع للتَّعْزِية بقوله: "وأما الجلوسُ للتعزية؛ فنصَّ الشافعي، والمصنف -أي الشيرازي صاحب "المهذب"-، وسائرُ الأصحاب؛ على كراهته، ونقله الشيخ أبو حامد في "التعليق"، وآخرون عن نص الشافعي (١)؛ قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيتٍ فيقصدهم مَن أراد التعزية".
قال: "قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفَهُم؛ عزاهُم، ولا فرقَ بين الرجال والنساء في كراهةِ الجلوس لها" (٢).
وسُئِل َرحمه الله عن صلاة الرغائب المعروفة في أول ليلة جمعة من شهر رجب؛ هل هي سنة وفضيلة أم بدعة؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هي بدعة قبيحة، منكرة أشد الإنكار، مشتملة على منكرات، فيتعيَّن تركها، والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها، وعلى ولي الأمر -وفَّقه الله تعالى- منع الناس من فعلها؛ فإنَّه راع، وكل راع مسؤول عن رعيته، وقد صنَّف العلماء كتبًا في إنكارها، وذمِّها، وتسفيه فاعلها، ولا يُغْتَرَّ بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكررة في "قوت القلوب"، و"إحياء علوم الدين"، ونحوهما؛ فإنها بدعة باطلة" (٣).
ويقول بعد ذلك (٤): "وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى
_________________
(١) انظر "الأم" (١/ ٢٤٨).
(٢) انظر:"المجموع" (٥/ ٣٠٦)، و"الأذكار" (ص ١٣٦).
(٣) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٥٩)، و"المجموع" (٤/ ٥٦)، و"الأسرار المرفوعة" لعلي القاري (ص ٣٩٦).
(٤) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٦٠).
[ ١٧٣ ]
كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] (١).
ولم يأمر باتِّباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلطات المخطئين".
وقال في "شرح صحيح مسلم" (٨/ ٢٠) عند حديث النهي عن تخصيصِ ليلة الجمعة بصلاةِ ويومِها بصيامٍ: "وفي هذا الحديث: النهيُ الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاةٍ من بين الليالي، ويومها بصومٍ، وهذا متفق على كراهيته.
واحتجَّ به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتَدَعة، التي تسمَّى (الرغائب)، قاتَلَ الله واضعَها ومخترِعَها، فإنها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكراتٌ ظاهرةٌ، وقد صنَّف جماعةٌ من الأئمَّة مصنَّفاتٍ نفيسةً في تقبيحها، وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضلُّل فاعلها أكثر من أن تُحْصَر، والله أعلم".
وقال في "شرح المهذب" (٤/ ٥٦): "ولا يُغْتَرَّ ببعض من اشتبهَ عليه حكمها من الأئمة، فصنَّف ورقاتٍ في استحبابها؛ فإنه غالط في ذلك. وقد صنَّف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي (٢)، كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، ﵀".
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) "المعروف بـ (أبي شامة المقدسي)، المتوفى سنة (٦٦٥ هـ)، وكتابه المشار إليه هو: "الإنصاف لما وقع في صلاة الرغائب من الاختلاف"، أودعه، برمته في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، وهو مطبوع بتحقيقي على نسخة شستربتي، ولم أُراجعه قبل طباعته، وله نسخة أخرى، وسأعيد نشره -إن شاء الله تعالى- قريبًا، والله الموفق.
[ ١٧٤ ]
وسُئِلَ عن مقبرة مسبلة للمسلمين، بنى إنسان فيها مسجدًا، وجعل فيها محرابًا؛ هل يجوز ذلك؟ وهل يجب هدمه؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "لا يجوز ذلك، ويجب هدمه" (١).
وسُئِلَ عن السجود الذي يفعله بعض الناس بين يدي المشايخ ونحوهم؛ ما حكمه؟
وقد أجاب على ذلك بقوله: "هو حرامٌ شديد التحريم" (٢).
وحول بعض بدع الناس في المدينة المنورة يقول الشيخ محيي الدين (٣): "من جهالات العامَّة وبدعهم: تقرُّبهم بأكل التمر الصيحاني في الروضة الكريمة، وقطعهم شعورهم، ورميها في القنديل الكبير، وهذا من المنكرات المستشنعة، والبدع المستقبحة".
وحول قيام بعض الناس بأشياء منكرة عند قبر المصطفى - ﷺ - يقول الإمام النووي (٤): "لا يجوز أنْ يُطافَ بقبره - ﷺ - ويُكْرَهُ إِلْصاق الظهر والبطن بجدار القبر، قاله أبو عبد الله الحليمي وغيره، وقالوا: يُكْرَه مسحه باليد، وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه؛ كما يبعد منه لو حضر في حياته - ﷺ -، هذا هو الصواب الذي قال العلماء، وأطبقوا عليه، ولا يغترَّ بمخالفة كثير من الهوام، وفعلهم ذلك، فإنّ الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة، وأقوال العلماء، ولا يُلْتَفَت إلى محدَثات العوام وغيرهم، وجهالاتهم".
_________________
(١) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٦٧ و٦٨).
(٢) "فتاوى الإمام النووي" (ص ٧٦)، و"روضة الطالبين" (١/ ٣٢٦).
(٣) "المجموع (٨/ ٢٧٦).
(٤) "المجموع" (٨/ ٢٧٥).
[ ١٧٥ ]
ويقول بعد ذلك (١): "ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة؛ فهو من جهالته وكفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع، وكيف ينبغي الفضل في مخالفة الصواب؟! ".
وحول قيام كثير من الحجاج بالوقوف على جبل الرحمة في عرفات، وتفضيل ذلك على غيره من أرض عرفات؛ يقول رحمه الله تعالى (٢): "وأما ما اشْتُهِر عند العوامِّ من الاعتناء بالوقوف على جبل الرحمة الذي هو بوسط عرفات، وترجيحهم له على غيره من أرض عرفات، حتى ربما توهَّم من جهلتهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه؛ فخطأ ظاهر، ومخالف للسنة، ولم يذكر أحد ممَّن يُعْتَمَدُ في صعود هذا الجبل فضيلة يختص بها، بل له حكم سائر أرض عرفات؛ غير موقف رسول الله - ﷺ -، إلَّا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فإنَّه قال: "يُسْتَحَبُّ الوقوف عليه".
وكذا قال الماوردي في "الحاوي": "يُسْتَحَبُّ قصد هذا الجبل الذي يقال له: جبل الدعاء".
وقال: "وهو موقف الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-".
وذكر البندنيجي نحوه.
وهذا الذي قالوه لا أصل له، ولم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف، فالصواب الاعتناء بموقف رسول الله - ﷺ -، وهو الذي خصَّه العلماء بالذكر وحثُّوا عليه، وفضّلوه، وحديثه في "صحيح مسلم" (٣).
_________________
(١) "المجموع" (٨/ ٢٧٥).
(٢) "المجموع" (٨/ ١١٢ و١١٣).
(٣) انظر "صحيح مسلم" (٢/ ٨٩٠)، ومن رواية جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف".
[ ١٧٦ ]
هكذا نصَّ عليه الشافعي، وجميع أصحابنا، وغيرهم من العلماء".
وحول صلاة الناس ركعتين إذا فرغوا من السعي يقول: "قال الشيخ أبو محمد الجُوَيْني: رأيتُ الناسَ إذا فرغوا من السعي؛ صلَّوا ركعتين على المروة. قال: وذلك حسن، وزيادة طاعة ولكن لم يثبت ذلك عن رسول الله عن - ﷺ -".
هذا كلام أبي محمد!!
وقال أبو عمرو بن الصلاح: ينبغي أن يُكرَهَ ذلك؛ لأنه ابتداء شعار، وقد قال الشافعي ﵀: ليس في السعي صلاة.
وهذا الذي قاله أبو عمرو أظهر، والله أعلم" (١).
وحول بعض الأشياء التي ابْتُدِعت في يوم الجمعة يقول (٢): "يُكْرَهُ في الخطبة أمور ابتدعها الجهلة:
منها: التفاتُهم في الخطبة الثانية، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى إلى صعوده قبل أن يجلس، وربما توهَّموا أنها ساعة الإجابة، وهذا جهل؛ فإنَّ ساعة الإجابة إنما هي بعد جلوسه.
ومنها: المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم.
ومنها: مبالغتهم في الإسراع في الخطبة الثانية".
وحذر ﵀ من اعتقاد الجاهلية من كراهة التزوُّج والدُّخول في
_________________
(١) "المجموع" (٨/ ٧٦).
(٢) "روضة الطالبين" (٢/ ٣٢ و٣٣).
[ ١٧٧ ]
شهر شوال، فقال معلِّقًا على قول عائشة - ﵁ -: "تزوَّجني رسول الله -ﷺ- في شوَّال، وبنى بي في شوَّال، فأيُّ نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عندَهُ مني؟! قال: وكانت تستحبُّ أن تُدْخِلَ نساءَها في شوّال" (١):
"فيه استحباب التزويج والتزوُّج والدُّخول في شوَّال، وقد نصَّ أصحابُنا على استحبابه، واستدلُّوا بهذا الحديث، وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيَّله بعضُ العوامِّ اليوم؛ من كراهة التزوُّج والتزويج والدُّخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيَّرون لما في اسم شوَّال من الإشالة والرفع" (٢).
وحذر كثيرًا من كثير من آراء الفِرَقِ والطّوائف المبتدعة؛ مثل: القدرية (٣) والمعتزلة (٤)، والخوارج، والروافض (٥).
فحذر من أكاذيب الروافض على علي - ﵁ - بقوله: " أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي - ﵁ - وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل، وأضافوهُ إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة، وخلطوه بالحق، فلم يتميَّز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه" (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "الصحيح" (٩/ ٢٠٩ - مع شرح النووي).
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٩/ ٢٠٩).
(٣) "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ١٥٤و ١٥٦).
(٤) "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ١٠٩ - ١١٠ و٢١١).
(٥) بينتُ ذلك مفضلًا في (الطبعة الثانية) من كتابي: "ردود وتعقبات" والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(٦) "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ٨٣).
[ ١٧٨ ]
وحذَّر من قولهم بالرّجعة، فقال: "الرجعة: ما تقولهُ الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل: أن عليًّا - ﵁ - في السحاب! فلا نخرج -يعني مع مَن يَخرج من ولده- حتى ينادى من السماء: أنِ اخرجوا معه!! وهذا نوعٌ من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم، اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية" (١).
وأكتفي بهذا القدر من الأمثلة الواضحة حول موقف الشيخ الإمام النووي من البدع وأصحابها، ووجدنا ميزانه في ذلك أن ما وافق السنَّة هو الحق الذي لا بدَّ من اتباعه والسير على وفقه، وما خالف السنة من أشياء محدثة مبتدعة لا بدَّ من تجنُّبِها والابتعاد عنها ابتعادًا كُليًّا.
وقد لاحظنا فيما مضى أنه إذا سُلِمَ عن شيء ووجد فيه مخالفة لهدي رسول الله - ﷺ -؛ نبَّهَ إلى ذلك، وحذر تحذيرًا شديدًا من الاغترار بفعل مَن يخالف هَدْيَ المصطفى -﵊-، وذلك أنه لا فيمة لأيِّ فعلٍ إذا كان على خلاف الكتاب والسنة.
وكان كثيرًا ما يتعرض في مصنفاته لبعض البدع ومحدَثات الأمور؛ ببيان خطرها، والدعوة لأجل تجنُّبها، والابتعاد عنها.
وقد أكرم الله -﵎- الإمام النووي بأن يكون مجدِّدًا لدين الله، وذلك بأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وإحيائه للسنة، وقمعه للبدعة.
_________________
(١) "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ١٠١)، وانظر أيضًا في موقفه من الروافض (١/ ٩٩و ٢١٠).
[ ١٧٩ ]