وذكر لي ﵀ أنه كان لا يضيع له وقتًا في ليلِ ولا نهار؛ إلَّا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطُّرق ومجيئه يشتغل في تكرار محفوظه، أو مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ستِّ سنين.
ثم إنَّه اشتغل بالتصنيف، والإشغال، والإفادة، والمناصحة للمسلمين ووُلاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه، والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء وإنْ كان بعيدًا، والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب؛ يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة.
وكان محقِّقًا في علمه وفنونه، مُدقِّقًا في علمه وكلِّ شؤونه، حافظًا [١٥] لحديث رسول الله - ﷺ -، عارفًا/ بأنواعه كلها؛ من صحيحه وسقيمه،
_________________
(١) = وانظر ثبتًا فيهم في كتب المعاصرين؛ من مثل: "الإمام النووي" لعبد الغني الدقر (ص ١٠٥ - ١٠٩)، و"الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي" (ص ١١٧ - ١٣٥)؛ و"الإمام النووي وجهوده في التفسير" (٦٨ - ٧١)، وذكر السيوطي في "المنهاج السوي" (ص ٥٢) بعض من أخذ عنه، ولم يستوعب، ولا قارب، قال: "ومن أشهرهم: أبو عبد الله محمد بن أبي إسحاق إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي (ت ٧٣٣ هـ)، ومحمد بن أبي بكر بن إبراهيم المعروف بـ (ابن النقيب) (ت ٧٤٥هـ)، وأبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن الدمشقي المعروف بالحافظ المزي (ت ٧٤٢ هـ)، ومحمد بن أبي الفتح البعلي (ت ٧٠٩ هـ)، وأحمد بن فرح اللخمي الإشبيلي (ت ٦٩٩ هـ)، وإسماعيل بن إبراهيم الخبّاز (ت ٧٠٣ هـ)، وسليمان بن هلال الجعفري (ت ٧٢٥ هـ) ".
[ ٦٤ ]
وغريب ألفاظه وصحيح معانيه، واستنباط فقهه، حافظًا لمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء، ووفاقهم، وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جميعه، وما هُجر، سالكًا في كلِّها ذكر طريقة السلف، قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل، فبعضها للتصنيف، وبعضها للتعليم، وبعضها للصلاة، وبعضها للتلاوة، وبعضها للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (١).
ذكر لي صاحبُنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي الفاضل -نفع الله به- في حياة الشيخ ﵀ قال: "كنتُ ليلةً في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردِّدُ قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُم إنَهُم مَسئولُونَ﴾ (٢)؛ مِرارًا، بحزنٍ وخشوعٍ، حتى حصل عندي من ذلك شيءٌ الله به عليم" (٣).
وكان حمه الله إذا ذكر الصَّالحينَ؛ ذكرهم بتعظيم وتوقير واحترام، وسوَّدهم، وذكر مناقبهم وكراماتهم (٤).
_________________
(١) نقله عن المصنف: الذهبي في "تاريخ الإسلام" (ورقة ٥٧٦ - ٥٧٧)، والسخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (١١و ١٢)، والسيوطي في "المنهاج السوي" (٤٢ و٤٣)، والذهبى في "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧٢)، وغيرهم.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٢٤.
(٣) نقله عن المصنف: الذهبى في "تاريخ الإسلام" (ورقة ٥٧٧)، والسخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص ٣٦)، والسيوطي في "المنهاج السوي" (ص ٤٣ و٤٤).
(٤) ومن بديع صنيعه في التوقير منهجه في الرد على (المعتبرين) من العلماء في سائر كتبه، وأفصح عن ذلك في آخر كتابه "الأذكار" تحت (باب: في ألفاظ حكي عن جماعة =
[ ٦٥ ]