ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي (١) ولي الله ﵀ قال: "رأيت الشيخ محيي الدين -وهو ابن عشر سنين- بنوى، والصبيان يُكْرِهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته.
وجعله أبوه في دُكَّان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشِّراء عن القرآن". قال: "فأتيتُ الذي يُقْرِئُه القرآن، فوصيتُه به، وقلتُ له: هذا الصبيُّ يُرْجى أن يكون أعلم أهل زمانه، وأزهدهم، وينتفع الناس به.
_________________
(١) هو ياسين بن عبد الله، المقرئ، الحجام، الأسود، الصالح، كان له دكان بظاهر باب الجابية، وكان صاحب كرامات، وقد حجَّ أكثر من عشرين مرَّة، وبلغ الثمانين، اتفق أنه سنة نيف وأربعين مرَّ بقرية (نوى)، فرأى الشيخ محيي الدين النووي وهو صبيٌّ، فتفرَّس فيه النَّجابة، واجتمع بأبيه الحاج شرف، ووصَّاه به، وحرَّضه على حفظ القرآن والعلم، فكان الشيخ فيما بعدُ يخرج إليه، ويتأدَّب معه، ويزوره، ويستشيره في أموره. توفي في ثالث ربيع الأول سنة سبع وثمانين وست مئة، ودفن بمقبرة باب شرقي ﵀. انظر ترجمته في "البداية والنهاية" (١٣/ ٣١٢)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٤٠٣). وعقَّب السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص ٤ - ٥) على ما ورد في ترجمة الشيخ ياسين: "واجتمع بأبيه الحاج شرف"؛ بقوله: "فيه مخالفة لكلام ابن العطار، وإن كان يمكن الجمع بينهما بأنَّ الشيخ ياسين بعد أن أخبر المعلِّم؛ شافهَ بذلك والدَه أيضًا". قلتُ: وعبارة ابن العطار محتملة لما ذكره الذهبى، إذ فيها: "فذكر ذلك لوالده"! إلا أن السخاوي ينقلها عنه هكذا: "فذكر المعلم ذلك لوالده"! وأسقط السيوطي في "المنهاج السوي" كلمة: "المعلم".
[ ٤٤ ]
فقال لي: أمنجِّمٌ أنت؟
فقلتُ: لا، وإنما أنطقني الله بذلك.
فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه، إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام" (١).
قال لي الشيخ: "فلما كان عمري تسع عشرة سنة؛ قدم بي والدي [٤] إلى دمشق (٢) في/ سنة تسع وأربعين، فسكنتُ المدرسة الرّواحية (٣)،
_________________
(١) نقل هذه الففرة عن المصنِّف: الذهبى في "تاريخ الإسلام" (ورقة ٥٧٤)، والسخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص ٤)، والسيوطي في "المنهاج السوي" (لوحة ٤/ أ)، والسبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (٥/ ١٦٦)، واليونيني في "ذيل مرآة الزمان" (٣/ ٢٨٤)، وعقب الشيخ عبد الغني الدَّقر في كتابه "الإمام النووي" (ص ٢٢) على هذه الحادثة بقوله: "وهكذا كانت فراسةُ هذا الشيخ المراكشي أنفع للمسلمين قاطبة من كلِّ عمل صالح له، إذ كان بسببه وسعيه ظهور عالم زاهد تقي قل أن يسمح!! الزمان بمثله؛ إلا في قرون متطاولة، وما نظنُّ أنه جاء مِن بعدِه مثلُه، بارك الله له في عمره القصير، وصنع منه في عصره وما بعده أعلمَ الناس، وأزهدَهم، وآمرَهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر".
(٢) ولم تسعفنا كتب التراجم عن رسم صورة تفصيلية عن حياته قبل بلوغ هذا السن؛ إلا شذرات تدل على أنه كان منصرفًا إلى إعانة أبيه في دكانه، والذي يبدو أن الشيخ النووي بالاضافة إلى هذا فإنه كان يتلقى قليلًا من العلم على شيوخ نوى. انظر: "الإمام النووي وأثره في الفقه الإسلامي" (ص ٣٩) للدكتور محمود رجا، و"الإمام النووي وجهوده في التفسير" (ص ٢٩) لشحادة العَمري، و"الإمام النووي" (ص ٨) للطنطاوي، و"الإمام النووي" (٢٢) لعبد الغني الدقر.
(٣) المدرسة الرواحية: شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه، وشمال حيرون، وغربي الدولعية، وقبلي الشريفية الحنبلية، بانيها زكي الدين ابن رواحة، الحموي، التاجر، الغني، المعدّل، المتوفى سنة (٦٢٢ هـ)، درَّسَ بها ابن الصلاح، وابن البازي، وابن الزِّملكاني، وأبناء السبكي، وغيرهم، وقد أُنشِئَت هذه المدرسة نحو سنة (٦٠٠ هـ)، وأصبحت المدرسة الرواحية الآن دار سكن. =
[ ٤٥ ]
وبقيتُ نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض، وكان قوتي فيها جراية المدرسة لا غير".
قال: "وحفظتُ كتاب "التنبيه" (١) في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظتُ رُبعَ العبادات من "المهذب" (٢) في باقي السنة" (٣).
_________________
(١) = انظر: "خطط الشام" (٦/ ٨١) لمحمد كرد علي، و"الدَّارِس في تاريخ المدارس" (١/ ٢٦٥)، و"منادمة الأطلال" (ص ١٠٠). وكان للإمام النووي بها بيت، ويترفق بمعلومها، ودخلها بمساعدة مفتي الشام حينذاك، وهو تاج الدين الفزاري؛ كما صرح به النعيمي، واستمر بها حتى مات، لم ينتقل منها حتى بعد ولايته الأشرفية، وبيته فيها بيت لطيف عجيب الحال؛ قال اليافعي: "وسمعتُ أنه اختار الإقامة بها على غيرها لحلّها". قاله السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص٥).
(٢) هو أحد الكتب الخمسة المشهورة بين الشافعية وأكثرها تداولًا، ومؤلفه: أبو إسحاق الشيرازي، شرع في تأليفه في أوائل شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة، وفرغ منه في شعبان من السنة التي بعدها. انظر تعريفًا جامعًا له وشروحه ومختصراته ومنظوماته في كتاب الأستاذ الدكتور محمد عقلة الإبراهيم "الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأثره في الفقه" (١/ ١٣٢ - ١٤٧) مضروب على آلة كاتبة.
(٣) أشهر كتب الشافعية في فروع المذهب وتفصيلاته، يمتاز بالتبويب المتقن، بدأ به مصنِّفُهُ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي سنة خمس وخمسين وأربع مئة، وفرغ منه يوم الأحد سنة تسع وستين وأربع مئة، فيكون تصنيفه قد استغرق من عمر الشيخ المكرس للعلم أربعة عشر عامًا، انظر في مدحه وشروحه كتاب الدكتور محمد عقلة: "أبو إسحاق الشيرازي وأثره في الفقه" (١/ ١٢٤ - ١٣٢).
(٤) جاء بعد هذه العبارة في "الدارس في تاريخ المدارس" (١/ ٢٥) نقلًا عن ابن العطار: "قال: وبقيتُ أكثر من شهرين أو أقل -لما قرأت في "التنبيه": يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج- أعتقد أن ذلك قرقرة البطن، فكنتُ أستحمُّ بالماء البارد كلما قرقر بطني". ونقل هذه العبارة: السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص ٥، ٦)، وقال قبلها: "وأدرج الذهبى في "تاريخ الإسلام" [ورقة ٥٧٤] في كلام لابن العطار هنا مما لم أره في النسخة التي وقفتُ عليها أنه قال: وذكرها". =
[ ٤٦ ]
قال: "وجعلتُ أشرح وأصحح على شيخنا الإمام العالم الزاهد الورع ذي الفضائل والمعارف أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشافعي ﵀ (١) ولازمته".
قال: "فأعْجِبَ بي لما رأى من اشتغالي وملازمتي وعدم اختلاطي بالناس (٢)، وأحبَّني محبَّة شديدةً، وجعلني أعيد الدروس في حلقته لأكثر الجماعة".
قال: "فلما كانت سنة إحدى وخمسين؛ حجَجْتُ مع والدي (٣)، وكانت وقفة جمعةٍ، وكان رحيلنا من أول رجب".
قال: "فأقمتُ بمدينةِ رسول الله -ﷺ- نحوًا من شهر ونصف".
_________________
(١) = وعقب عليها بقوله: "والظاهر أن الحياء كان يمنعه السؤال عن ذلك". وذكر نحوها السيوطي في "المنهاج السوي" (ص ٣٢) بعد تمام هذه الفقرة، فقال: " وقعدتُ مدَّة أغتسل منها بالماء البارد، حتى تشقق ظهري".
(٢) هو أول شيوخه؛ كما صرح بذلك في (ص ٥٤)، وستأتي ترجمته هنالك.
(٣) قال الذهبي-فيما نقله النعيمي في "الدارس" (١/ ٧٨) عنه- عن الإمام النووي: "وضُرِبَ به المَثلُ في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهجره النوم إلا عند غلبة، وضبط أوقاته بلزم الدَّرس، أو الكتابة، أو المطالعة، أو التردد على الشيوخ". وحكى البدرُ ابن جماعة أنه سأله عن نومه، فقال: "إذا غلبني النومُ؛ استندتُ إلى الكتب لحظةً ثم أنتبه". ذكره السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (٣٦)، وفيه عن البدر أيضًا قال: "كنتُ إذا أتيتُه أزوره؛ يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكانًا أجلس فيه".
(٤) وكانت هذه حجة الإسلام، وحج مرة أخرى؛ كما صرح به السيوطي في "المنهاج السوي" (لوحة ٥/ ب)، ويستأنس له بقول ابن كثير في "تاريخه" (١٣/ ٢٧٩) أنه حج في مدَّة إقامته بدمشق، ولما رجع من حجة الإسلام؛ لاحت عليه -كما قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء"- أمارات النجابة والفهم، قاله السخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص ٦). وقال الأستاذ شحادة العمري في أطروحة للماجستير "الإمام النووي وجهوده في التفسير" (ص ٣٣): =
[ ٤٧ ]
قال لي والده ﵀: "لما توجَّهْنا من (نوى) للرحيل؛ أخذتْهُ الحُمَّى، فلم تفارقه إلى يوم عرفة".
قال: "ولم يتأوَّه قط، فلما قضينا المناسك، ووصلنا إلى (نوى)، ونزلنا إلى دمشق؛ صبَّ الله عليه العلم صبًّا، ولم يزل يشتغل بالعلم، ويقتفي آثار شيخه المذكور في العبادة؛ من الصلاة، وصيام الدهر (١)، [٥] والزهد، والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته/ إلى أن توفي " (٢).
_________________
(١) = وقيل: إنه حج مرتين، والصحيح إنها مرة واحد"! وأحال على "ترجمة النووي" للسخاوي (ص ٦). قلت: وفيها خلاف ما صححه، بل صرح السخاوي ص (٨١) أن الشيخ النووي حج مرتين. وذكر في (ص ٦) مؤيدات لذالك. فلا أدري ما الذي جعله يصحح أنه حج مرة واحدة؟!
(٢) نهى ﵊ عن صيام الدَّهر؛ كما هو ثابت في "صحيح البخاري" (٤/ ١٩٥)، و"صحيح مسلم" (رقم ١١٥٩)، وغيرهما. ورحم الله الإمامَ الذهبي وجزاه خيرًا عندما قال في "السير" (٣/ ٨٥ و٨٦): "كلُّ مَن لم يُلزم نفسَهُ في تعبُّدِه بالسنة النبوية؛ يَندَمُ ويترهَّبُ، ويسوءُ مزاجُه، ويفوتُه خيرٌ كثيرٌ من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال -ﷺ- معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وآمرًا بهجر التبتل والرَّهبانية التي لم يُبعَث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل، إلا في العشر الأخير، ونهى عن العُزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي، فالعابدُ بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابدُ العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضولٌ مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى، أدوَمُها وإن قَلَّ، ألهمنا الله وإياكم حُسن المتابعة، وجَنَّبَنا الهوى والمخالفة".
(٣) ما تقدَّم موجود في "ترجمة الإمام النووي" (٥ و٦) للسخاوي، و"المنهاج السوي" (لوحة ٤/ أ- ٥/ أ)، و"تاريخ ابن الفرات" (٧) و"ذيل مرآة الزمان" (٣/ ٢٨٤) و"تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٩٧٠)، و"تاريخ الإسلام" (ورقة ٥٧٤ - ٥٧٥)، و"فوات الوفيات" (٤/ ٢٦٥)، و"الدارس في تاريخ المدارس" (١/ ٢٤ - ٢٥)، و"عيون التواريخ" (٢١/ ١٦٢)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٣٥٤)، وغيرها.
[ ٤٨ ]
فلما توفي شيخُه المذكور؛ ازداد اشتغاله بالعلم والعمل.
قال لي شيخُنا القاضي أبو المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري ﵀ (١): "لو أدرك القشيريُّ صاحب "الرسالة" شيخَكُم وشيخَه (٢)؛ لما قَدَّمَ عليهما في ذكره لمشايخها (٣) أحدًا؛ لما جُمع فيهما من العلم، والعمل، والزهد، والورع، والنُّطق بالحِكَم، وغير ذلك".
وذكر لي الشيخ -قدَّس الله روحه- قال: "كنتُ أقرأ كلَّ يومِ اثنتي عشر درسًا على المشايخِ؛ شرحًا وتصحيحًا: درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذَّب"، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، ودرسًا في "صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللمع" لابن جُنِّي في النحو، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت في اللغة، ودروسًا في التصريف،
_________________
(١) هو القاضي الإمام أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق الأنصاري الدِّمشقي الشافعي المعروف بابن الصَّائغ، كان عارفًا بالمذهب الشافعيّ، بارعًا في الأصول والمناظرة، وكانَ مشكورَ السيرة، ولي القضاء، ثم امتحن، فعزل، وسجن، ثم خُلِّصَ، وانقطع بمنزله في بستانه إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة (٦٨٣ هـ). انظر ترجمته في "البداية والنهاية" (١٣/ ٣٠٤)، و"مرآة الجنان" (٤/ ١٩٩)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٣٨٣).
(٢) مراده: الإمام النووي، وشيخه المراكشي لعله المغربي.
(٣) يعني "الرسالة القشيرية". وفيها من الكلام الجيد الكثير، وفيها من كلام العقائد الفاسدة الكثير أيضًا، وكان أحد علمائنا الأفاضل يقول: هي آخر الخير وأول الشر. ولكن بعد تتبع أثرها السيء في الأمة، يحسن النصح بالابتعاد عنها، أو أن تهذّب من عالم صحيح العقيدة سليم العقل. قاله الأستاذ زهير الشاويش في تعليقه على "النخبة البهية" (ص ٥٤).
[ ٤٩ ]
ودرسًا في أصول الفقه؛ تارة في "اللمع" لأبي إسحاق، وتارة في "المنتخب" لفخر الدين الرازي، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين" (١).
قال: "وكنتُ أعلِّق جميع ما يتعلق بها؛ من شرح مُشْكِل، ووضوح عبارة، وضبط لغة".
قال: "وبارك الله لي في وقتي، واشتغالي، وأعانني عليه" (٢).
قال: "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريتُ كتاب
_________________
(١) المذكور أحد عشر درسًا فقط! وكذا نقله عنه: الذهي في "تاريخ الإسلام" (ورقة ٥٧٥)، و"تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧٠)، والسخاوي في "ترجمة الإمام النووي" (ص٦)، والسيوطي في "المنهاج السوي" (لوحة٥/ أ- ب)، وابن العماد في "شذرات الذهب" (٥/ ٣٥٥)، وجميع المعاصرين الذين ترجموا له!
(٢) عقَّبَ الشيخ عبد الغني الدَّقْر في كتابه "الإمام النووي" (ص ٣٤) على ما ذكره المصنف بقوله: "اثنا عشر درسًا يقرؤها على المشايخ كل يوم شرحًا وتصحيحًا، ويعلق ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة، تحتاج كل يوم بلى اثنتي عشرة ساعة على أقل تقدير، وتحتاج إلى مراجعة ما يجب أن يراجع، وحفظ ما يجب أن يُحفظ -بأدنى التقدير- إلى اثنتي عشرة ساعة، فهذه أربع وعشرون ساعة، فمتى ينام؟! ومتى يأكل؟! ومتى يقوم بعبادته؟! ومتى يتهجد في ليله؟! ومعروف أنه سباق بلى الطاعات والعبادات متي يكون هذا كله وهو محتاج في دراسته ومراجعته إلى أربع وعشرين ساعة في اليوم والليل! هنا يبدو إكرام الله إياه، وتفضله عليه، وذلك بأن بارك الله له في وقته، فمنحه القدرة على أن ينتج في يوم ما ينتج غيره في يومين، وفي سنة ما ينتج غيره في سنتين، وبهذا نفسِّر هذه الوثبة الهائلة التي جعلت منه في نحو عشر سنوات عالمًا في درجة كبار علماء عصره، ثم جعلت منه إمام عصره، كما نفسر هذه الكثرة الهائلة من مؤلَّفاته المتقنة الرائعة في فترة لا تتجاوز خمسًا وعشرين سنة، هي كل عمره في العلم تعلُّمًا وتعليمًا وتأليفًا). انتهى.
[ ٥٠ ]
"القانون" (١) فيه، وعزمتُ على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيتُ أيامًا/ لا أقدر على الاشتغال بشيءٍ، ففكرتُ في أمري، ومن [٦] أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله تعالى أن سببه اشتغالي بالطبِّ، فبِعْتُ في الحال الكتاب المذكور، وأخرجتُ من بيتي كلَّ ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي، ورجع إليَّ حالي، وعدتُ إلى ما كنتُ عليه أولًا" (٢).