كان السببُ الباعثُ لهذا العمل هو ما رأيتُهُ -بنفسي- ويراه كل باحث مُباشر لفن البحث، -تخريجًا وتحقيقًا- في الأحاديث النبوية، والآثار السلفية من فائدة كُبرى تُجتَنَى كل يوم من كِتابَيّ شيخنا العلامة المحدِّث مُقبل بن هادي الوادعي ﵀ وغفرله- "تراجم رجال الحاكم في مُستدركه" (^١)، و"تراجم رجال الدَّارقطني في سننه".
وليس عمل شيخنا ﵀ في هذين الكتابين مُقتصرا على رجال الدارقطني والحاكم فقط، فإن في طيَّاتِهما تراجمًا لرجال كتب أخرى كالبيقي وأبي نعيم
_________________
(١) وللفائدة فإن لشيخنا في هذا الكتاب شرطًا أخبرني به، قال: (إن شرطي في الكتاب أن أثبت أن الرّاوي الذي جاء في "المستدرك" قد ترجم له فقط ولا التزم بذكر الجرح والتعديل فيه، وإنما اقتصر على المصدر الذي وجد فيه ذكر تلميذه وشيخه اللذين ذكرا عندي في السند، وأسوق سنة وفاته، وبذلك أكون قد أثبتُّ أن هذا الرّاوي مترجم له .. وأما معرفة حاله جرحًا وتعديلًا، فليس بمقصود عندي، إن جاء فيها، وإلا فابحث عنه. فقُلتُ له: الذي عليه العمل هو الجرح والتعديل فلو طلبت من أخ أن يقوم بذلك؟. فقال ﵀: نفعل إن شاء الله. أقول: وقد نحا نحوه -من قبلُ- الشَّيخ العلامة الأنصاري في "بلغة القاصي والداني". ووُجد ذلك في كتب بعض العلماء الأوليين. انظر: "أخبار أصبهان"، وقارنه بـ "طبقات محدَّثي أصبهان". وقد أشار شيخنا ﵀ لهذا الشرط في مقدمة "تراجم رجال الدَّارقطني"، - وأغفله في مقدمة كتابه تراجم رجال الحاكم، فكن منه على ذكر، ولا التفات لكلام ابن السلوم؛ فإن فيه تعجل، وعدم إنصاف. فلينظر: "إتحاف المهرة" (١/ ١٣١)، و"الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩/ ط ابن حزم).
[ ١ / ٩ ]
وغيرهما.
ولقد كنتُ في أثناء دراستي وعملي عند شيخي الفاضل أبي الحسن السليماني -حفظهُ الله تعالى ونفع به- ضمن أبحاثه النافعة الماتعة (^١) أتعبُ أحيانًا في الترجمة لبعض الرّواة، إما لنزُول طبقة رواة الإسناد، أو لنسبة، أو لتصحيف واقع خرج به عمّا عليه الاعتماد، فأرى أنه قد تُرجم له في "رجال الحاكم في مُستدركه" وقد قُرِّبَ بذلك للباحث أَيُّمَا تقريب.
رأيتُ هذا وتذكرتُ كلمة شيخنا ﵀ التي كان يكررها علينا عند تدريسه للمستدرك: (إننا نرى كثيرًا من الباحثينَ المعاصرينَ يعجزون عن الترجمة لأصحاب الطَّبقة النازلة كشيخ الحاكم وشيخه، بل ترى في عبارات بعضِهِم التملصُ والانسلال، فكم من راو حكمُوا عليه بأنه لم يُترجم له وهو في كتبٍ سهلة المنَال، معرُوفة المجال، ولكن الهيبة، بل أحيانا العجز والكسل).
فنحمُدُهُ سُبحانه أن سخّر لنا مثل هذه الكُتب، وقد كان مثل هذا في عمل الأئمة السالفين تُقرَّب للباحثين ما بَعُد، وتُسهل ما صَعُب.
وما الفوائد المُجتناة من مثل كتاب "تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة" للحافظ ابن حجر ﵀، وكتاب "مغاني الأخيار بتراجم رجال معاني الآثار" للعيني ﵀، وغيرهما إلا مثالًا يُقتدى به لاعتناء الأئمة من قديم بمثل هذا الفن الجليل؛ فما كان اعتناؤُهم -يا أُخَيَّ- بذلك من فراغِ!!!، بل هو من تسديدٍ واقتناعٍ بأهميته وبحاجة الباحث المفيد إلى أن يروي منه نهمتَهُ.
_________________
(١) وقد لازمت شيخنا في العديد منها؛ فكان لي فيها -منه- نفع الله به - الخير الكثير.
[ ١ / ١٠ ]
فحثني ذلك كلّه على الإرسال لشيخِنا ﵀ وغفر له-، وذلك لأنني كنتُ مقيما عند شيخنا أبي الحسن -حفظهُ الله- بدار الحديث بِمأْرب -أعزها الله بعزه-، برسالة أطلبُ فيها منه ﵀ التَّوجِيه في ذلك، والإرشاد بالعمل في كتابٍ يُشبه عمله في رجال الحاكم.
واقترحتُ عليه -وقتئذٍ- العميل في رجال الدَّارقطني، -ولم أكن يومئذ أعلم بعمله فيه-، وكانت الرّسالة مرسلة إليه برفقة الأخ: صالح بن محمد الفرجاني -جزاه الله خيرًا-، فتكلم مع الشَّيخ، وأبان له الموضوع، وقرأ عليه رسالتي، وشرح له بعض الأمور من ناحيتي، فوافق الشَّيخ -جزاه الله خيرًا-، وأرسل الأخ إليَّ برسالة جاء فيها:
(… قد تكلمت مع الشَّيخ وشرحتُ له … فقال لي بالحرف الواحد "عندي موضوع كنتُ أفكرُ فيه؛ ولكن سنؤثرُهُ به، قُلتُ: ما هو يا شيخ؟، قال: صحيحُ ابن حبّان وكذلك المعاجم الثلاثة للطبراني …).
ومن أول يوم وصلتني فيه الرّسالة باشرتُ العمل مبتدئا بالمعجم الصغير.
فأسال الله تعالى أن يكون هذا العمل -وغيره- خالصًا لوجهه الكريم، وأسأله سبحانه أن يوفقني لإتمامه على خير.
وقد تولى الترجمة لرجال ابن حبَّان في "صحيحه" الأخ العزيز: أبو الحسين القاسمي الغرياني -نزيل رأس الخيمة- وفقهُ الله تعالى لكل خير.
[ ١ / ١١ ]
هذا وقد انتهيتُ من معجمي الطَّبراني الأوسط والصغير، وأما الكبير فقد عَملتُ في مواضع منه ثُم أتى ما انشَغل به البال، وفارقنا به دُور العلم، وصِرْنا إلى أضعف حال فالله المستعان، وعليه التكلان.
وإنّني عازم على إكماله؛ ولو بعد حين، فأسأله سبحانه أن يحيطني بمعيته -الخاصة- لعبَّاده المؤمنين، وأن يحفظني من الفتن، والمصائب في الدِّين.
آمين يا ربّ العالمين.
* * *
[ ١ / ١٢ ]