أبو عبد الله محمد بن محمد بن سليمان الأنصاري الأستاذ من أهل بلنسية ويعرف بابن أبي البقاء وأصله من سَرَقُسطة، وتعلّم فبرع في العربية وعلّم واعتنى بتقييد الآثار، وكان شاعرًا مجوّدًا مقطّعًا ومقصدًا، وتوفي سنة عشر وستمائة: قال من مرثية:
قد علّمتْني اللَّيالي أنَّ رَيِّقَها صابٌ وإن قال قومٌ إنَّه عَسلُ
إنَّ الَّذي كانت الآمالُ مُشرِقةً به وعيشُ الأماني بُرْدُها خَضِلُ
أصابَ صرفُ اللَّيالي منه قُطْبَ حِجًى يا من رأى الشُّهْبَ قد أعيت بها السبُلُ
وهدَّ للحلم طودًا شامخًا عَلَمًا يا للياليَ تشكو صَرفَها الحيلُ
وضاق وجهُ الدُّجى عن نور بهجته فكيف توسِعُها إشراقَها الأُصُلُ
وقال أيضًا:
غيرُ خافٍ على بصيرِ الغرامِ أنَّ يومَ الفراق يومُ حِمامِ
عبَراتٌ تصُدُّ عن نظراتٍ ونَشيجٌ يحول دون الكلامِ
ودماءٌ تُراقُ باسم دموعٍ ونفوسٌ تودي برسم سلامِ
[ ١٦١ ]
شَربتْ بعدك اللَّيالي حياتي غيرَ أوشالِ لوعتي وسَقامي
وله، أنشدنيها صهره أبو الحسن عليّ بن أحمد المكناسي، قال: أنشدني لنفسه. قلت: حضر أبو بحر ليلةً بمرسية، وبها جماعة من الطلبة ووجوه الناس، ومعهم طالب بلنسي، فتباسطوا إلى أن عرضوا عليه أن ينشدهم، فأنشد هذه القصيدة. فقال أبو بحر: ما تملُّون من كلام مهيار؟ فقال له البلنسي: ولا بد، هذا كلام مهيار؟ فقال: هذا نفَسُهُ وهذا منزعه، فقال له: هي للأستاذ ابن أبي البقاء؛ فخزي أبو بحر ووجم:
نِمْتُمُ عن ليلِ حِلْفِ السَّهرِ وطويتُمْ غيرَ ما في مُضْمَري
ودعا البينُ فلم يجنحْ إلى دَعوةِ البين سوى مُصْطبرِ
ليت شعري هل وجدتُم بعدنا ما وجدنا من أليم الذِّكَرِ
لوعةٌ نجديّةٌ تَطْرقُنا وغرامٌ بابليٌّ يَعْتري
وهوًى هيَّجَ ما هيَّجه من جَوًى أضرم نارَ الفِكَرِ
كلّما أبصرتُ شيئًا حَسنًا بعدكمْ أعملتُ غَضَّ البصرِ
فعلام اطُّرِحَتْ مودَّةٌ لم تَشِنْها وَصْمةٌ من كَدرِ
كان من حقّ الوفا أن تصْرِفوا قولةَ الواشي بحُسْنِ النَّظرِ
لا ووجدي وغرامي في الهوَى وخضوعي فهو إحدى الكُبَر
ما نسينا سورةً من عهدكم كيف تُنْسى مُحكماتُ السُّور
هل إلى عودةِ حُزْوى سببٌ أو إلى يانعِ ذاك السَّمُر
وبوُدِّي لو وجدنا سببًا لارتجاعِ الفائتاتِ الأُخَر
قد ذوتْ ريحانةُ العيشِ وهل يرجعُ النضرةَ ذاوي العُمُر
ونسيمٌ كلَّما علَّلنا صدَّ إغفاءةَ نوم السَّحر
ما على ظبيٍ سقاني بِمنًى لو أراني مثلَها في أُقُر
يَنْصُلُ العامُ ولا نلقاكمُ يا لَقوْمي للضَّنين الموسِر
وعلى هذا فلا عَتْبَ على ما جَنيتُم فهو حُكْم القَدَر
[ ١٦٢ ]
وله:
سلوا فتياتِ الحيِّ عنِّي فربَّما عَصيتُ التَّصابي أو أطعتُ التكرُّما
تقول يشُوق الحيُّ بان خليطُه ويهتاجُ أنْ غنَّى الحمامُ ورنَّما
ويَسري إلى الذَّلفاء واللَّيلُ لابسٌ من النَّجم والظلماءِ ثوبًا موشَّما
أيَشغلني عن وابلِ البرقِ رعدُهُ وأبتاعُ بالبُرهانِ ظنًّا مُرجَّما
أيا سائلي عن جُلِّ همّي وهِمَّتي ألم ترني بالمكرمات متيَّما
إذا لم أُرشَّح للفضائلِ يافعًا فها أُدْرِكُ العلياءَ إلاَّ توهُّما
وهل يُتعاطى أن يكون أخا العُلا ووالدَها مَن لا يكون لها ابنما
وما المجدُ إلاَّ كفُّك النفسَ عن هوًى يلَذُّ وإن سُوِّغتَ صابًا وعَلْقما
ورمْيُكَ جَونَ اللَّيلِ بالعيسِ إنَّه إذا ناب خَطبٌ فارْضَ بالعيس أسْهُما
وذي رَوْنق كالبرقِ لكنَّ رعدَهُ صَدوقٌ ووعدُ البَرق كِذْبٌ وربَّما
عقدتُ نجادَيْهِ لحلِّ تمائمي وقلتُ له كُن للمكارمِ سُلَّما
وساءَ الأعادي إذ بكتْ شَفراته وسُرَّ وُلاةُ الوُدّ حين تبسَّما
ومن شعره يمدح:
لإقبالِ هذا السَّعدِ تبتهجُ الدُّنيا ويحيا منَ الآفاقِ ما لم يكنْ يحيا
كذاك انتشارُ الأرضِ من بعدِ موتها أيا من رأَى مَيْتَ الدُّنا ناشرًا حيا
وقوله:
وكم بالمصلَّى والكنيسةِ من هوًى أثارَ بأحناءِ الضلوعِ بلابلا
يفوقون سحبانًا فصاحةَ منطقٍ تزيدُ على ألفاظِ قَسٍّ بلابلا
بها أَخوا صدقٍ جديدٌ لديهما ثيابُ جديدِ المجدِ لن يَقْبَلا بلا
سألتهما حفظَ الودادِ على النَّوى فلا وأَبيك الخير ما قابلا بلا
[ ١٦٣ ]