أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن البراء التُّجِيبي: من أهل الجزيرة الخضراء، ومعدودٌ في المجيدين من الشعراء، وله ديوان نظم ونثر كبير. فارق وطنه وهو صغير منتزحًا إلى بلاد الصحراء، وممتدحًا من كان بها من الأمراء، وأراه لم يعد إلى ذَراه، كما لم يعدم الحنين إليه في تأويبه وسُراه، فمن شعره في ذلك:
عندي على الخضراءِ دَمْعٌ واكفٌ والقلبُ أبرَدُ حَرّهِ الرمضاءُ
أودى ثِقافُ فراقِنَا بقناتنا فانآدتِ اليَزَنِيَّةُ السمراءُ
نزحِتْ بيَ الأقدارُ عن دارِ الهوَى وقَذَفْنَني حيثُ الفؤادُ هواءُ
فإقامتي ما بينَ أظهرِ معشرٍ سيَّان عندهُم الدُّجى وذُكاءُ
وقال أيضًا:
أحنُّ إلى أرضٍ لَبِسْتُ بها الصِّبا فعندي لها من أجل ذِكْرِ الصِّبا وجدُ
ومن أجلِ نَصْلِ السَّيفِ أُكرِمَ جَفْنُهُ ومن جهَةِ الرّيَّا سما العنبرُ الوردُ
وقال أيضًا:
سقى واكفُ القطرِ الجزيرةَ إنَّني إليها وإن جَدَّ الفِراقُ لوامقُ
ديارًا بها فارقتُ عَصرَ شبيبتي فيا حبَّذا عَصْرُ الشَّبابِ المفارقُ
[ ١٤ ]
شبابٌ شَفَى نفسي وودَّعَ مسرعًا كما زار طَيفٌ أو تبوَّجَ بارقُ
قضيتُ به حقَّ الهوَى وأطعتُهُ فأيامُهُ في عينِ فكري حدائقُ
وقال أيضًا:
بي جُؤذَرٌ هامَ الفؤادُ بحُبِّهِ عُنيتْ لواحظُهُ بقتلِ محبِّهِ
قد أتلفَ المُهَجاتِ بين لَطافَةٍ في وجنتيهِ وقسوةٍ في قلبهِ
وإذا رأى المرآةَ هامَ فؤادُهُ في حُسْنِ صورتِهِ فرقَّ لصبّه
ولابن البراء في أعرج
أبِنْ لي يا أبا موسى بحالٍ بَدَتْ لي منكَ يضحكُ من رآها
تكيلُ الأرضَ باعًا بَعْدَ باعٍ كأنَّكَ قد عَزَمتَ على شِراها
وتنبحُكَ الكلابُ بكلِّ أرضٍ كأنَّكَ قد طُبِعتَ على أذاها
وقال بالقيروان، وقد بلغه أن أبا الفضل يوسف ابن النحوي ذم خطَّ أهل الأندلس، من قصيدة يقول فيها:
تنسمْ أريجًا لم يَضُعْ من لطائمِ وعرِّجْ على ربعٍ لميَّةَ طاسِمِ
ترحلتُ عن أَرضي فأفضتْ بيَ النَّوى لأرضِ ذئابٍ في ثيابِ ضراغمِ
فكم فيهمُ من عائبٍ قمرَ الدّجى ومستنزرٍ منهلَّ قطْرِ الغمائم
رمى معشري بالذمِّ منطقُ يوسفٍ وحُسْنُ الثّريّا مُفْحِمٌ كلَّ ذائم
أبا الفضل لا ترتَبْ بأنَّك من فمي سليمُ أفاعٍ لستَ منها بسالمِ
أراكَ سفاهًا عبتَ خطَّ مَعَاشرٍ بهمْ تُسْفِرُ الأيَّامُ عن وجهِ باسمِ
فإن يكُ فضلًا ما تشي يدُ كاتبٍ فكلُّ العُلا في ما تشي يدُ راقم
[ ١٥ ]
وله من قصيدة:
ما خيَّمَ المجدُ إلاَّ في منازلنا فليس يَعْدِلنا في الأرضِ من أحدِ
إذا بَلَوْتَ فأخلاقٌ مُهذَّبةٌ وإن سألتَ فبذلٌ من فمٍ ويدِ
من كلِّ مكرُمَةٍ فُزنا بأوفَرِها حفظُ الجِوارِ لنا والأخذُ بالقَوَدِ
لنا نفوسٌ عن الجاراتِ معرِضَةٌ وفي التّقى لأفاعيهنَّ بالرَّصدِ
إن شئتَ من كَلِمِ الأعرابِ أفصحَها فخُذْهُ عن والدٍ منَّا وعن وَلَدِ
تَنْبُو حِدادُ الظُّبَا عن غَرْبِ منطقنا نبوَّ ظُفرِ الفتَى عن مخلبِ الأسدِ
ومنها في الرّدّ على أبي الفضل إذ ذمَّ أبا عمر ابنَ عبد البرّ:
معتوهُ قسطيلةٍ ينفي رياضتنا ومن يُرِدْ قَنَصَ العنقاءِ لم يصدِ
تفيظُ دون مُناها نَفْسُ حاسِدِنا وكيف للغَوْرِ يعلو ذِرْوَةَ السَّنَدِ
تعسًا ليوسفَ أنْ مَنَّاهُ خاطرُهُ لحاقَنَا وهلِ العرماضُ كالثمدِ
باحَتْ بذمِّ ابن عبد البر قَوْلَتُهُ إن الحسودَ على المحسودِ ذو حَرَد
كم يُتْعِبُ النفسَ فيما ليس يبلغُهُ والضبعُ يعظمُ عنها كلُّ ذي لِبَدِ
لو حلَّ ساحةَ قومي كان مُطَّرَحًا كَبَهْرَجٍ لَحِظَتْهُ عينُ مُنْتَقِدِ
دعوى العلومِ تحلاَّها فأَشبههم كما تشابَهَ لفظُ السَّعْدِ والسُّعْدِ
وتوفي أبوه وهو على حاله من الاغتراب والاضطراب، فكتب إلى أخيه مع نثر:
تَبَّتْ يدُ البينِ كم من مهجةٍ عبثتْ بها وكم من فؤادٍ وهو مُنْصَدِعُ
دنوُّ رَبْعَكَ أقصى ما أُؤَمِّلُهُ لكنْ منالُ الَّذي لم يُقضَ ممتنعُ
[ ١٦ ]
وكان أبوه أبو بكر أحدَ شيوخ أبي الفضل عياض، ﵀.
ومما سمعه، قال: أنشدني أبو جعفر ابن الدلال ببلنسية عن أبي الحجاج ابن الشيخ سمعت منه بمالقة عن أبي طاهر السلفي سمعه منه بالإسكندرية، قال: أنشدني الإمام أبو المظفر الأبيوردي لنفسه بهمذان:
وقصائدٍ تحكي الرياضَ أضعتُها في باخلٍ ضاعتْ به الأَحسابُ
فإذا تناشدها الرواةُ وأبصروا ال ممدوحَ قالوا ساحرٌ كذَّابُ
[ ١٧ ]