أبو جعفر عبد الله بن محمد بن جُرْج - بجيمين بينهما راء - الكاتب من أهل قُرْطُبَة ومن بيوتاتها النبيهة، أصلهم من أَلْبِيرة. وكانت وفاة أبي جعفر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومن شعره يستدعي طبيبًا:
خلِّ ابن سيناءَ وأقوالَهُ فإنَّها من خُدَع المَرْءِ
ولتأْتني في منزلي مُسرعًا فإنَّ عندي حِيلَةَ البُرْءِ
ومنه:
أمَّا ذُكاءُ فلم تصْفَرَّ إذ جَنَحَتْ إلاَّ لفُرقةِ هذا المنظرِ الحسنِ
رُبًى تَروقُ وقِيعانٌ مُزخرَفَةٌ وسابحٌ مُدَّ بالهطَّالة الهُتُنِ
وللنسيم على أرجائه حَبَبٌ يكادُ من رِقَّةٍ يَخْفَى على الغُصُنِ
وتُنسب هذه القطعة غلطًا إلى أبي القاسم أخيل بن إدريس الرُّنْدي، كاتب ابن حمدين ولم يصحّ، وأنشدها أبو القاسم عامر بن هشام القرطبي
[ ٨١ ]
في مجموع له لأبي جعفر ابن جُرْج هذا وهو بَلَديُّهُ ولعلَّه سمعها منه. واهتدم البيت الأول منها أبو عبد الله ابن مرج الكحل الجزيري من جزيرة شقر، فجاء به في آخر قطعة من حرِّ كلامه، أنشدناها مرارًا وهي:
عرجْ بمنعرجِ الكثيبِ الأعفرِ بين الفراتِ وبين شطِّ الكوثر
ولنغتبقها قهوةً ذهبيةً من راحَتَيْ أحوى المدامعِ أحور
وعشيَّةٍ كم بتُّ أرقُب وقتَها سمحتْ بها الأيَّامُ بعد تعذُّر
نِلنا بها آمالَنا في رَوضة تُهدي لناشِقِها نسيمَ العَنبر
والدَّهرُ من نَدمٍ يُسَفِّه رأيَه فيما صَفَا منه بغَير تكدُّر
والوُرْقُ تشدُو والأراكةُ تَنثني والشَّمسُ ترفلُ في قميصٍ أصفر
والرَّوضُ بين مُذهَّب ومُفضَّض والزهرُ بين مُدَرْهم ومُدَنَّر
والنَّهرُ مرقومُ الأباطحِ والرُّبى بمُصَنْدَل من زَهْره ومُعَصفر
فكأنَّه وجِهاتُه محفوفة بالآس والنُّعمان خَدُّ مُعذِّر
وكأنَّه وكأنَّ خُضرةَ شطِّه سيفٌ يُسلُّ على بِساط أخضر
وكأنَّه ذاك الحَباب فرنْده مهما طَفا في صَفحه كالجَوهر
نَهرٌ يَهيمُ بحُسنه من لم يَهم ويُجيد فيه الشِّعرَ من لم يَشْعر
ما اصفرَّ وجه الشَّمس عند غُروبها إلاَّ لفُرقة حُسن ذاك المَنظر
[ ٨٢ ]