أبو بكر يزيد بن محمد بن صقلاب الكاتب، من أهل المرية، وعاملها بعد أبيه أبي عبد الله. وكان غَزِلًا ماجنًا صاحب إبداع، في قوافٍ وأسجاع، مع سراوة وسخاوة، توفي سنة تسع عشرة وستمائة.
له:
لهفَ القَصِيِّ لقد طالت شكايتُه ولا طبيبَ بقُربِ الدَّار يُشْكيهِ
قد طارحَتْهُ حمامُ الأيكِ نَغْمَتها حرفًا بحرفٍ فيحكيها وتحكيه
وساجلتْ عبراتِ السُّحبِ عبرتهُ إذا تفيضُ فتبكيها وتبكيه
وله:
إذا عُقدت كفٌّ على ذي مُروءةٍ فأنت الَّذي تُثْنى عليه الخناصرُ
وإن أثنتِ الأعصارُ يومًا على امرئٍ فأنت الَّذي تُثْني عليه الأعاصر
وله في طريقة التجنيس:
دِنْ بالرِّضا واجنح لأسبابهِ ودَع من العَتْب وأوصابه
وقاسمِ الحُرَّ وأقسمْ به في حُلْوه إن كان أو صابه
وارْبُط على العهد وحافظْ على ما قاله الخِلُّ وأوصى به
[ ١٧٨ ]
ومن غزليّاته:
وأخي فتنةٍ أدار علينا من يَديْه ومُقلتَيْه رَحيقا
عاينْته عيونُنا فصبغْنا دُرَّ خدّيه بالعُيون عَقيقا
جعل النَّقلَ لَثْمنا مِرْشَفيْهِ فانتقلنا على المُدامة ريقا
عُتِّقت هذه وهذا عَتيقٌ فشربنا على العتيق عتيقا
أسكر النَّقلُ والشرابُ جميعًا وأبى الكأسُ واللَّمى أن أُفيقا
كلما قلتُ قد صحوتُ قليلًا عُدتُ في حَيرةِ الخُمار غَريقا
لم أكُن شاعرَ الطَّريقة لكنْ مُذ تعشَّقْتُه سلكتُ الطَّريقا
حكّمتنا يدُ الهوَى في القوافي فغَزلنا من الرَّقيقِ رقيقا
وهذه القطعة أنشدنيها قديمًا بعض أصحابنا عنه: وله:
من النَّاس من يبقى من اللؤم عرضهُ وإن زانه ثوبٌ عليه جديدُ
ومنهم جوادُ النفسِ لو سيلَ نفسَهُ لكان بها طلقَ الجبين يجودُ
فذاك الَّذي تبقى مآثرُ مجدهِ وآثارُها في العالمين شهود
فإن عاش فالآمالُ خالدةٌ به وإن مات فالأمداحُ فيه خلود
وقال أيضًا:
أما ورياضٍ من ضميرك ما درت غزارةَ بحرٍ لا ولا بنتَ راقمِ
ولا رقمتْ كفُّ الغمامةِ بُرْدَها وقد خلعتْ فيها جلودَ أراقم
فللخاطرِ السيَّالِ فيها سحابةٌ وللقلمِ الجاري بها كفُّ راقم
لقد أنعمتني إذ تنسمتُ عَرْفَها على رمَقٍ لا يستلينُ لناقم
[ ١٧٩ ]
وإن جاد يومًا بالرضى فهو مازجٌ على إثره شهدَ الرضى بالعلاقم
مسحتَ بها حُرَّ الجوى عن جوانحٍ حَوَتْ ضِعْفَ ما تحويه حَرَّةُ واقم
وقال أيضًا:
أنا صبٌّ وابن صبٍّ بالعوالي والمعالي
وبناني وجناني بهما قد المعالي
فهما إن فسح اللَّ هـ مدى العمر معا لي
وله أيضًا:
رأوا ممن يحبهمُ نحولًا فعابوه بجهلهمُ عليهِ
وأمضى ما يكونُ السَّيفُ قطعًا إذا أخذ الضنا من شفرتيهِ
[ ١٨٠ ]