أبو عمرو محمد بن عبد ربه الكاتب، سكن مالقة وكتب لواليها حينئذ المعروف بالمنتظر، ثمَّ ولي عمالة جيّان سنة أربع وستمائة، وكناه أبو بكر ابن صِقلاب في بعض ما خاطبه به أبا عبد الله؛ وهو القائل:
تقضَّى زماني بينَ عتبٍ وإعتاب وجفَّتْ دموعي بين سَحٍّ وتَسكابِ
وطال بعيني أن ترى غيرَ غادر فأوْلَى بعيني أن تكفَّ وأَولى بي
ألا ليت شعري هل أرى مثلَ فتيةٍ ذوي همم في المعلُواتِ وأحسابِ
إذا شئتَ أن تلقى فتًى ليس دونهم فيممْ أبا بكرٍ يزيدَ بن صِقلاب
ومن شعره ويروى لبعض الأمراء:
بين الرياض وبين الجو مُعترَكٌ بيضٌ من البرق أو سمرٌ من السَّمُرِ
إن أوترَتْ قوسَها كفُّ السَّماء رمتْ نبلًا من المُزن في صافٍ من الغُدُرِ
فاعجبْ لحرب سِجال لم تُثِرْ ضررًا نفعُ المحارب فيها غاية الظَّفَرِ
فتحُ الشقائق جَرْحاها ومغنمُها وَشْيُ الربيع وقَتلاها من الثمرِ
[ ١٣٥ ]
لأجل هذا إذا هبَّتْ طلائعها تدرَّعَ النَّهرُ واهتزَّت قنا الشجرِ
هذا يشبه قول ابن عبادة القزَّاز الأندلسي وقيل لغيره:
ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أم نُقَطُ ما كانَ أحسنَهُ لو كانَ يُلتقطُ
بين السَّحابِ وبين البرقِ مَلحمةٌ قَعاقِعٌ وظُبًى في الجوِّ تُخترطُ
والرِّيحُ تحملُ أنفاسًا مصعَّدةً مثلَ العبير بماء الورد يختلطُ
والرَّوضُ ينشرُ من ألوانه زَهَرًا كما تنشَّرُ بعد الطيّة البُسُطُ
كتب إليه ابن صقلاب مع نثر:
أما والهوَى العُذْرِيّ وهو يمينُ عليه من الطرف الكحيل أمينُ
لقد خُضتُ مقدامًا حشا كلِّ فَيلقٍ ولمَّا تَرُعْني الحربُ وَهْي زَبونُ
وقد حاد عن لُقيا كتابِكَ خاطري كما حاد منخوبُ الفؤادِ طعينُ
أفي كلِّ صدرٍ منكَ صدرُ كتيبةٍ وفي كلِّ حرفٍ غارةٌ وكمينُ
عجبتُ لفظٍ منك ذاب نحافةً ومعناه ضخمٌ ما أردتَ سمينُ
وأعجبُ من هذين أن بيانَهُ حياةٌ لأربابِ الهوَى ومَنونُ
زحمتَ به في غُنجها مُقَلَ الدُّمى وعلَّمتَ سِحْرَ النفث كيف يكونُ
فأجاب ابن عبد ربّه:
أيا راكبًا إنَّ الطَّريق يمينُ وحيثُ ترى حيًّا ففيه كمينُ
وإنِّي وإن أفلتُّ منهم فإنما نَجَوْتُ وقلبي باللّحاظ طعينُ
[ ١٣٦ ]
عيونٌ حياةُ النفس بين لحاظها وإن كانَ في تلك اللّحاظ مَنونُ
وأعلَقُ منها بالنفوس وقد جرى حديثك يومًا والحديثُ شجونُ
سطورٌ كهاتيك اللّحاظ بعينها تقولُ لنفسِ السحر كُن فيكونُ
وما كنتُ أدري قبل فنٍّ نهجتَه بأن بلاغاتِ الرِّجالِ فنونُ
[ ١٣٧ ]