أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عَميرة المخزومي القاضي: من أهل جزيرة شُقر وسكن بلنسية. فائدة هذه المائة، والواحد يفي بالفئة، الَّذي اعترف بأمجاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يوصف به البديع، ومعاذ الله أن أُحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف وسَبْقُهُ الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلَّت به الصحائف والمهارق، وما تخلَّت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثمَّ أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره، وتناوب المنثور والمنظوم على شكره.
فمن نسيب قصيدة مدح بها قوله:
يا واليًا أمرَ الجمالِ بسيرةٍ قلَّ الحديث بمثلها عن والِ
حتَّى متى قلبي عليك متيّمٌ وإذا سألتُ يُقال قلبُكَ سالِ
أرضى رضاك عن الوشاة وأنت لا ترضيك موجدتي على العذالِ
وبيانُ حبّك لم أؤخره وفي جدواه عندكَ غايةُ الإجمالِ
[ ٢٠٩ ]
قد حرت في حالٍ لديك ولستُ من أهلِ الكلام أحارُ في الأحوالِ
وأجلتُ فكري في وشاحك فانثنى شوقًا إليك يجول في جوَّالِ
أنصفْتَ غصنَ البانِ إذ لم تدعُهُ لَتأَوّدٍ مع عطفكَ الميَّالِ
ورحمْتَ دُرَّ العقدِ حين وضعته متواريًا عن ثغركَ المتلالي
كيف اللقاء وفِعلُ وعدكَ سينهُ أبدًا تخلِّصهُ للاستقبالِ
وكُماةُ قومكَ نارهُمْ ووقودها للطَّارقينَ أسِنَّةٌ وعَوالِ
وقال من قصيدة أنشدنيها بإشبيلية، إثر نُزهة جمعتنا بخارجها، صدر سنة سبع عشرة وستمائة، وأنا اقترحت وصفها عليه، وأولها:
لو غيرُ طرفِكَ مَوْهِنًا يأتيني ما كانَ في عَقب الصِّبا يُصبيني
وافَى وقد هجعَ الخليطُ فبات في ثَوب الدُّجى أُدْنيه أو يُدنيني
ومنها في الوصف المقترح:
يا حِمصُ إنك في البلاد فريدةٌ ببديعِ حسنٍ جلَّ عن تحسينِ
أحبِب بنهرِك حينَ يزخَر مدُّه فيروقُ منه تحرُّكٌ كسُكونِ
ويعودُهُ الجَزر الَّذي يُبقي على شطَّيه حِجرًا دونه للطِّينِ
مثل الخريدةِ إن تقلَّص ثوبها خجِلت لشيءٍ تحته مَدْفونِ
فكأنَّما هو عاشقٌ ذو زَفْرة تعتاده في الحِين بعد الحينِ
أو مثل مُمتلئِ الجوانح والحشا غيظًا طواه الحلمُ بالتَّسكينِ
وتخالُ ما نثرتْ به أيدي الصَّبا حَلَقَ المُضاعفِ نسجُهُ المَوْضونِ
تجري به أسرابُ طيرٍ آثَروا فيها المجازَ فسُمِّيت بسَفينِ
يا حسنَها من ذاتِ أجنحةٍ لها عملٌ يَبَذُّ جناحَيِ الشَّاهينِ
تَثني الجَموحَ فلا يَريمُ مكانَه منها وتَرجعُ صوتَ كلِّ حَرونِ
من كُل دهماءِ الأديم ترى بها منها بنفسَجَةً على نَسْرينِ
عُطفتْ وأُرهفَ جسمُها فكأنَّها قمرٌ إذا ما عاد كالعُرْجونِ
[ ٢١٠ ]
جُلنا بها في النَّهرِ نَرتع للمُنى ما بين أصنافٍ لها وفُنونِ
ولربما رُعنا بنيه بغارةٍ تركتْ مَصونَ حِماه غيرَ مَصونِ
تَحكي إذا ما أبرزت حركاتِها فعلَ النَّزيف يَنوء دون مُعينِ
قد قَوَّستها مِيتةٌ لا كبرةٌ فانظُر إلى ألِفٍ تعودُ كنونِ
حتَّى بلغنا شَنْتبوس ويا له من مشهدٍ بهوَى النفوسِ قَمينِ
حيثُ القصورُ البيضُ يُرمقُ حُسنها فيكونُ قيدَ نواظرٍ وعُيونِ
بَهرتْ جمالًا في الدُّجى حتَّى ترى معها عمودَ الصُّبح غيرَ مُبينِ
فهي النجومُ بل البدورُ لأنَّها تزدادُ حُسنًا في اللَّيالي الجُونِ
قد أُلِّفَتْ أجزاؤها فتناسبتْ كتناسبِ النَّغماتِ في التَّلحينِ
طابَ الزمانُ بها فما نيسانها أندَى ندًى من آبَ أو كانونِ
فسقَى العروسَ مع الخليج حيالَهُ صوبٌ بريّ رُبوعها يُرضيني
فلقد مضتْ لي ثَمَّ ساعةُ لذَّةٍ عن ذكر لذَّات الأُلى تُسليني
وجنيتُ من ثَمر المُنى ما شئتُه وأخذتُ منه فوق ما يكفيني
في فتيةٍ ظفرتْ يدايَ بقُرْبهم بأجلِّ عِلقٍ في الزَّمان ثَمين
ما منهمُ إلاَّ صَريحُ مَودَّةٍ أُصْفيه منها مثلَ ما يُصفيني
أخذُوا بأطرافِ الحديثِ فَشَعْشَعوا منها كُؤوسًا حَثُّها يُحييني
وتذاكروا أخبارَ سيِّدنا فقُلْ جَلبوا فَتِيق المسكِ من دَارينِ
وقال يصف مثلها بنهر جزيرة شُقر، وأنشدنيه:
خذْ في حَديثك إنَّ وصفك يُطربُ عن يومِ أُنسٍ ذكرُهُ مُستعذبُ
واطلبْ إعادته منَ الأيَّامِ إنْ سمحتْ بذا وأظُنُّ ذلك يَصْعب
يومٌ أرانا الحسنَ في النَّهر الَّذي قد طاب منه موردٌ أو مَشْرب
[ ٢١١ ]
يمشي ويُزجي موجَه فكأنَّه لما انتهبنا ما يُواري مُقصِب
وقد امتطينا زَوْرقًا فيه فقُلْ صُبحٌ تمشَّى في سناهُ غَيْهب
فتراه طَوْرًا طائرًا ولربما ضُمَّتْ جَناحاه إليه فيُجْنِب
ولنا شِباكٌ قد تجاذبَ غَزْلها ضدَّانِ يطفُو ذا وهذا يَرْسُب
نُسجتْ كنَسج الدِّرعِ لكنَّ الرَّدى لم يعدُ لابسَها إذا ما يُطْلَب
تُبدي لنا سَمَكًا أرادتْ أن يُرى حسَنًا بها فلأجله تتقلَّبُ
فكأنَّها جَمدتْ من الماءِ الَّذي حصباؤُهُ من صَفْوه لا تُحجبُ
يا نهرَ شُقرٍ فيكَ أدركتُ المُنى فلأنتَ من نَهر إليَّ مُحبَّبُ
يَهنيك إذ حُزْتَ المحاسنَ كلَّها أنِّي سأشعرُ في حُلاك وأخطبُ
وله:
انظُرْ إلى الوادي غَدا كدرًا وصفاؤُهُ قد عاد كالعَلَقِ
فكأنَّهُ لمَّا بدَا أُفقٌ سالتْ عليهِ حُمرةُ الشَّفقِ
وله ممَّا يُكتب على قوس:
ما انآد مُعتَقَلُ القَنا إلاَّ لأنْ يحكي تأطُّرَ قامتي العوجاءِ
تَحنو الضُّلوعُ على القلوبِ وإنَّني ضِلَعٌ توافيها بأعضلِ داءِ
وله وقد أهدى وردًا:
خذها إليكَ أبا عبد الإلهِ فقد جاءتكَ مثلَ خدودٍ زانها الخفرُ
أتتك تحكي سجايا منك قد عذبَتْ لكنْ تغيُّر هذا دونَهُ الغيرُ
إنْ شمتَ منها بروقَ الغيثِ لامعةً فسوفَ يأتيكَ من ماءٍ لها مطرُ
وكتب إليَّ مع تحفةٍ أهداها مكافئًا عن مثلها:
يا واحدَ الأدبِ الَّذي قدْ زانَهُ بمناقبٍ جعلتهُ فارسَ مِقْنِبهْ
[ ٢١٢ ]
بالفضلِ بالهبةِ ابتدأتَ فإنْ تُعِرْ طَرَفَ القبولِ لما وهبت ختمتَ بهْ
وله ارتجالًا من قصر الإمارة من بلنسية، وأنا حاضرٌ في صبيحة بعض الجمع، وقد حُجم صاحبٌ لنا من أهل النظم والنثر وأُحسن إلى الحجام المخصوص:
أرى منْ جاءَ بالموسى مواسى وراحةُ ذي القريضِ تعودُ صفرا
فهذا مخفقٌ إنْ قَصَّ شِعْرًا وهذا مُنجحٌ إن قصَّ شَعرا
وله أيضًا:
هو ما علمتَ من الأميرِ فما الَّذي تزدادُ منهُ وفيهِ لا ترتابُ
لا يتَّقي الأجنادُ في أيَّامِهِ فقرًا ولا يرجو الغنى الكتَّابُ
وله بعد انفصاله من بلنسية عن وحشةٍ في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة:
أسيرُ بأرجاءِ الرجاءِ وإنَّما حديثُ طريقي طارقُ الحدثانِ
وأُحضرُ نفسي إن تقدمتُ خيفةً لغضِّ عنانٍ أو لعضِّ زمانِ
أينزلُ حظِّي للحضيضِ وقد سرى لإمكانِهِ فوق الذُّرى جبلانِ
وأخبطُ في ليلِ الحوادثِ بعدما أضاءَ لعيني منهما القمرانِ
فيحيى لآمالي حياةً معادةً وإنَّ عزيزًا عِزَّةٌ لمكاني
وقالوا اقترح إنَّ الأمانيَّ منهما وإن كنَّ فوق النَّجم تحت ضمانِ
فقلت إذا ناجاهما بقَضيَّتي ضميريَ لم أحفلْ بشرح لساني
وله أيضًا:
سلب الكرى من مقلتيَّ فلم يجئ منه على نأيٍ خيالٌ يَطرقُ
[ ٢١٣ ]
أهفو ارتياحًا للنَّسيم إذا سرى إنَّ الغريقَ بما يرى يتعلَّقُ
وله يخاطب العراقيّ، وقد بعث إليه في جزء من كتاب " الجدل " يقتضيه، إثر ما ولي شغل الخزانة بمراكش:
تقلَّدتَ من شُغل الخزانةِ خُطّةً تقلُّدُها بالفضلِ والعلم لائقُ
وأرسلتَ عن جُزء كحرفٍ بمُهْرَقٍ وقد جُمعتْ في راحتيكَ المَهارقُ
فيا مَن له تسعٌ وتسعون نَعجةً أفي سَخلةٍ عَجفاءَ أنت تُضايقُ
ومن قصيدة أيضًا في تغلُّب الروم على بلنسية:
ما بال دمعك لا يني مدرارهُ أم ما لقلبك لا يقرُّ قرارهُ
أللوعةٍ بين الضلوع لظاعنٍ سارت ركائبهُ وشطَّتْ دارهُ
أم للشبابِ تقاذفَتْ أوطانهُ بعد الدنوّ وأخفقتْ أوطارهُ
أم للزمانِ أتى بخطبٍ فادحٍ من مثل حادثة خَلَتْ أعصاِرهُ
بحرٌ من الأحزانِ عبَّ عبابُهُ وارتجَّ ما بين الحشا زخَّارهُ
في كلِّ قلبٍ منه وجدٌ عنده أسفٌ طويلٌ ليس تخبو نارهُ
أمَّا بلَنْسيةٌ فمَثْوى كافرٍ حَفَّت به في عُقرها كُفَّارهُ
زرعٌ من المَكروهِ حلَّ حصادُهُ بيدِ العدوِّ غداةَ لجَّ حِصارهُ
وعزيمةٌ للشِّرك جَعْجَع بالهُدى أنصارُها إذ خانه أنصارهُ
قلْ كيف تثبتُ بعد تمزيق العِدا آثارُهُ أو كيف يُدرَك ثارهُ
ما كانَ ذاك المِصْر إلاَّ جنَّةً للحسنِ تَجري تحتها أنهارهُ
طابتْ بطِيبِ نهارِهِ آصالُهُ وتعطَّرتْ بنَسيمه أسحارهُ
وتألقتْ أوقاتُهُ وتفيَّحتْ أرجاؤُهُ وتفتَّحتْ أنوارهُ
أمَّا السّرار فقد عَراه وهل سوى قَمرِ السَّماء يَزول عنه سرارهُ
[ ٢١٤ ]
قد كانَ يُشرقُ بالهِداية ليلُهُ فالآن أظلم بالضَّلال نهارُهُ
ودَجا به ليلُ الخُطوبِ فصُبْحه أعيا على أبصارنا إسفارهُ
وقال:
نَكِّب عن الدُّنيا ولا تلْقَها إلاَّ بوُدٍّ مثلها زائلِ
إذا تحلَّيتَ بما زَخْرفتْ فأنت في التَّحقيق كالعاطلِ
حلَّتْ لمن أمَّلها بُرهةً لكنَّه لم يَحْلَ بالطَّائلِ
مَن مُنْصفي من زمنٍ جائرٍ يُغلَبُ فيه الحقُّ بالباطلِ
لو كانَ سَحبانٌ بهِ مُفْصِحًا لم يأمنِ الإسكاتَ من باقلِ
حسبكَ أنَّ الوغدَ يحتاجُهُ مَن ارتدَى بالخُلُقِ الفاضلِ
يَفتقرُ الضِّدّ إلى ضدِّه مثلَ افتقار الفِعل للفاعلِ
ومن رسالة له كتب بها معزِّيًا إلى بَطَلْيَوْس:
ولم أرَ مثل الحقِّ أمَّا طريقُهُ فأَمْنٌ وأمَّا جارُهُ فعزيزُ
إذا ما امرؤٌ آوى إليه فحصنُهُ حصينٌ ومأواه المُباحُ حَريزُ
فكُن معه تظفرْ بما شئتَ من مُنًى مُصادفُها بالصالحاتِ يفوزُ
ومن خير ما حازَ الفتَى الصبرُ إنَّه أداةٌ لمَوْفور الثَّوابِ تَحوزُ
رأينا التُّقى كنزًا يدومُ الغِنى به إذا فنيتْ للمُوسرين كُنوزُ
وكائن رأينا من حوادثَ أقبلتْ فللخلقِ تصريحٌ بها ورموزُ
تُقابَل بالتَّسليمِ للهِ وحدَهُ فتَمضي ولم يُشعَرْ بها وتجوزُ
[ ٢١٥ ]