أبو إسحاق إبراهيم بن محمد التُّطَيلي - بضم التاء المثناة من فوق وفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها لام وياء النسبة - الضرير، نشأ بقُرْطُبَة وسكن إشبيلية، وكان يُعرف بالتطيلي الأصغر، واشتهر بالشعر بعد أبي العباس التطيلي الأعمى بزمان يسير، وهو القائل من قصيدةٍ، منها في عماه:
يَثْني إلى وطءِ ما يغتاله قَدَمًا يُهوِي إلى لمسِ ما يعدو عليه يدا
يمشي فتحسبُهُ يقضي الصَّلاةَ خطًا إذا استوى راكعًا من ركعةٍ سجدا
تهوي به قدماه صولَجَيْ لَعِبٍ تنزو السِّلامُ كراتٍ عنهما بددا
مخالطٌ لبني الدُّنيا مفارقُهُمْ قد غابَ عنه من الأشياء ما شهدا
شمسُ الظَّهيرةِ أعشتْ كوكَبَيْ بصري كذا سنا النّجم في ضوءِ الضّحى خَمَدا
إن نازَعَ الدَّهرُ في ثنتَيْنِ من عَدَدي فواحدٌ في ضلوعي يبهرُ العَدَدا
يَغنى عن الشُّهْبِ في أجفانه مُقَلًا مَن كانت الشَّمسُ في أضلاعه خَلدا
مَنْ طالَ خُلقًا نَفَى في خَلقه قِصَرًا لا تَقْدُرِ الجِلْدَ منه واقدُرِ الجَلدا
[ ٣٩ ]
لا يُدركُ الرمحُ شأوَ السهمِ في غَرَضٍ ولو تسلسَلَ فيه لَدْنُهُ مددا
لك يكف أنِّي غريبُ الشّخصِ في نَفَري حتَّى غدوتُ غريبَ الطّبع متّحدا
ومنها:
إن تجفُ حمصٌ فتجفو غيرَ ذي رحمٍ تعصُّبًا فيه إذ مجدا
وغاظها أن رأتْ إنجابَ ضَرَّتها ومن رأى كرمًا في ندِّهِ حقدا
فإن نمتني وليدًا دارُ قُرْطُبَةٍ وأنكرتني وسنّي قد وفى رشدا
فعُذْرُها أن أمَّ الليثِ تُرضعُهُ شِبلًا وتمنعُ منه دَرَّها أَسدا
وهو القائل:
أتاك العِذارُ على غرَّةٍ وقد كنتَ في غَفلة فانتَبِهْ
وقد كنتَ تأبى زكاةَ الجمالِ فصار شُجاعًا وطُوّقتَ بهْ
ومن شعره:
ومعذَّرٍ رقَّتْ له خمرُ الصِّبا حيث العِذارُ حبَابُها المترَقْرِقُ
ديباجُ حُسنٍ كانَ غُفلًا ناقصًا فأتمَّه عَلَمُ الشَّباب المونقُ
وشكا الجمالُ مقيله في وَرْده فأظلَّهُ آسُ العذار المشرقُ
عامت بماء الفضل شامةُ خدِّهِ فغدا العذار زُوَيرقًا لا يغرقُ
إن كانَ يمحو نَقْشَهُ مِنْ وجهِهِ فطُلَى الغزالِ بمسكها تَتَفلَّقُ
وله من قصيدة يصف رمحًا:
وأسمرَ يضحَى في شُعاعِ سنانِهِ وإن كانَ من خفقِ اللواءِ لفي ظلِّ
حوَى جُرأَةَ الأعرابِ من سُمرةِ القنا وحاز دهاءَ الروم من زُرقةِ النصل
[ ٤٠ ]
علا نَصْلُهُ للشهبِ فانحطَّ لَدْنُهُ إلى القُضْبِ عن فرعٍ يحنُّ إلى الأصلِ
يقدِّمُهُ بأسُ الحديد إلى الوغى فيعطفُهُ لينُ القضيبِ إلى الدّلِّ
ومنها يصف سيفًا:
وأبيضَ يحكي الموتَ فعلًا ودقّةً فلولا شعاعُ الصَّقْلِ لم يبدُ عنْ نَصْلِ
يذيبُ بماء الصقلِ كلَّ مُفاضةٍ فما تقعُ الغربانُ إلاَّ على مُهْلِ
وقد عجمت دودَ النوائبِ نصلُهُ فعضَّتْ وما أبدَتْ سوى أثَرِ النملِ
وله يصف قلمًا:
وأعجمِ الصوتِ قد ألقتْ به العَرَبُ أقلُّ شيءٍ لديه الشعرُ والخطبُ
يَزْهَى بيانًا إذا ما شُقَّ مقولُهُ وإذ يقطُّ ففي إفصاحِهِ العجبُ
[ ٤١ ]