أبو الأصبغ عيسى بن محمد العَبدريّ، المعروف بابن الواعظ، من أهل المرية سكن أَلشْ من أعمال مُرسية، وأنشدني أبو الربيع ابن سالم، قال: أنشدني أبو القاسم ابن الحذاء المُرسي، قال: أنشدنا أبو الأصبغ عيسى بن محمد بن عبد الله بن الواعظ العَبدريّ لنفسه في سُكناه بأَلش، وكان أصله من المرية:
عَدِمتُ بإخمالي وجوهًا من الإنْس فها أنا في الأيَّام مُستوحشُ النَّفسِ
برئتُ زمانًا من حوادثَ أمرضتْ وأَلشُ لَعمري أسلمتْني إلى النُّكس
أقمتُ بها كالسَّيفِ لازمَ جَفنَه وإن كنتُ حيًّا مثلَ مَن دُسَّ في رَمْس
فإنِّي بآدابي أتيتُ جزيرةً فعُوقبتُ منها بالإقامةِ في حَبسِ
وهل وحشةُ الإنسانِ إلاَّ بمثلها فَصِيح لسانٍ بين ألسنةٍ خُرْس
شَرَوْني رَخيصًا ليس يَدْرون قيمتي وقد تُشْتَرى الأعلاقُ بالثَّمنِ البَخسِ
ومن شعره مما ذكره عنه أبو عبد الله ابن عيّاد في مشيخة أبيه أبي عمر:
إن قيل في الصَّيف رَيحانٌ وفاكهةٌ فالأرضُ مُغبرَّة والجوُّ مَحْرورُ
[ ٨٣ ]
وإن يكُن في الخريفِ النخلُ مُختَرَفًا فالأرضُ مُربدَّةٌ والجوُّ مأسور
وإن يكُن في الشِّتاء الغيثُ مُنسكبًا فالأرضُ مُبتلَّةٌ والجوُّ مَقْرور
ما الدَّهر إلاَّ الرَّبيع المُستنير إذا أتى الرَّبيعُ أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ
الأرضُ سُندسةٌ والجوُّ لُؤْلُؤَةٌ والنَّورُ فَيروزجٌ والماءُ بلّور
مَن شمَّ ريحَ تحيَّاتِ الرِّياضِ يَقُلْ لا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافور
وكتب أبو بكر مالك ابن حِمير من أهل أَرْيُولة إلى أبي الأصبغ هذا:
رحلتُ وإنَّني من غير زادِ وما قدَّمتُ شيئًا للمَعادِ
ولكنّي وثقتُ بجُودِ ربِّي وهل يَشقَى المُقِلُّ مع الجَوادِ
فقال في معناه:
رحلتُ بغير زادٍ للمَعادِ ولكنَّني نزلتُ على جوادِ
ومَن يرحلْ إلى مولًى كريمٍ فما يحتاجُ في سَفَرٍ لزادِ
ولابن شرف في هذا المعنى، وأنشدناه أبو الرَّبيع عن أبي عبد الله:
رحلتُ وكنتُ ما أعددتُ زادًا ولا قصَّرتُ في قُوتِ المُقيمِ
فها أنا ذا رحلتُ بغير زادٍ ولكنَّني نزلتُ على كريمِ
وذكرتُ أبيات المُصنفي في هذا المعنى:
قالتْ ليَ النَّفسُ أتاكَ الرَّدى وأنتَ في بحرِ الخَطايا مُقيمْ
وما ادّخرتَ الزّادَ قلتُ اقصري هل يُحملُ الزادُ لدارِ الكريمْ
واخَجْلتا منه إذ جئتُه والعبدُ مطلوبٌ بدَينٍ قديمْ
وما أرى يطلبُني قد دَرى أنِّيَ محتاجٌ إليه عَديمْ
[ ٨٤ ]
ولستُ محتاجًا إلى شاهدٍ لأنَّ مولايَ بحالي عليمْ
وحكمه القِسْطُ ولا يَقتضي هلاكَ مِدْيانٍ بمال الغَريمْ
هي من آخر كلامه، متصلة بمَشهد حِمَامه.
وقد نظم الرئيسُ - ﵀ - صاحب مَنُورقة، أبو عثمان سعيد بن حكم القُرشي، في هذا المعنى:
يا رَبِّ إنِّي راحلٌ والزادُ ما عنديَ منه للرَّحيلِ عَتادُ
والوقتُ عنه ضَيِّق ولديك ما يَسَعُ الوَرَى لهُمُ وأنت جَوادُ
وله أيضًا:
حان قُدومي على القديمِ ويَحسُن الظنُّ بالكريمِ
إن كانَ ذَنبي عظيمًا اضحى فأين منه عَفْوُ العظيمِ
حَسْبِيَ أنِّي أَرجو لديه فضلَ غنيٍّ على عَديم
أفسد في صدر البيت الثاني والثالث من حيث الوزن، وقد وقع فيه جمهور من الشعراء.
قال ابن عيّاد: ومن شعره ما كتبه لأبي بخطّه ونقلتُه منه:
لا تَصحبِ السُّلطانَ في حالةٍ صاحبُه ليثَ الشَّرى يَركبُ
يهابُهُ النَّاسُ لمركوبِهِ وهْوَ لما يركبُهُ أهيبُ
[ ٨٥ ]