لما كان الأصل في أعراض المسلمين الحرمة، وكانت الكثير من مسائل الجرح والتعديل مبنية على الإجتهاد الذي هو عرضة للخطإ والصواب؛ هيأ الله ﷿ أهل الحديث لوضع قواعد لعلم الجرح والتعديل يُعرف من خلالها الجرح القادح من غيره، ويُنزل الناس بها منازلهم اللائقة بهم، وما ذاك إلا لأن الأمر دين، ولأن الأمر كما قال الحافظ ابن حجر ﵀: "لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح منها ما يقدح، ومنها ما لا يقدح". "الهدي" (٣٨٤).
وكما قال الإمام الطبري ﵀: "لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه". "الهدي" (٤٢٨).
وبسط هذا وضرب الأمثلة له يطول، وإنما الذي يهمنا ها هنا إيراد بعض أسباب الجرح التي حكم عليها الحافظ ابن حجر ﵀ بالرد مستخلصا ذلك من تراجم الرواة من هذا الكتاب المبارك، وبالله التوفيق.
فمن الجرح الذي رده الحافظ ابن حجر ﵀:
أولا: قولهم: "لم يرو عنه فلان" أو: "لم أسمع فلانا كتب عنه شيئا":
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أفلح بن سعيد الأنصاري: "ولم أر للمتقدمين فيه كلاما إلا أن العقيلي قال: "لم يرو عنه ابن مهدي" قلت: وليس هذا بجرح". "القول المسدد" (٧٧).
وقال في ترجمة عمارة بن غزية المدني معقبا على ذكر العقيلي له في "الضعفاء": "ولم
[ ١ / ١٤٣ ]
يقل العقيلي فيه شيئا سوى قول ابن عيينة: "جالسته كم من مرة فلم نحفظ عنه شيئا" فهذا تغفل من العقيلي إذ ظن هذه العبارة تليين، لا والله". "التهذيب" (٣/ ٢١٣).
وقال ﵀ في ترجمة زفر بن الهذيل: "ذكره أبو جعفر العقيلي وأبو الفتح الأزدي في "الضعفاء" من أجل قول أبي موسى محمد بن المثنى: "لم أسمع عبد الرحمن كتب عنه شيئا" وهذا لا يقتضي تضعيفا". "الإيثار" (٤٣ - ٤٤).
قلت: وإنما لم يكن ترك بعض الحفاظ الرواية عن بعض الرواة جرحا قادحا في الراوي؛ لأن أسباب الترك كثيرة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
فقد ذكر العلامة المعلمي ﵀ أن ترك بعض الأئمة - أو الرواة- الرواية عن بعض المشايخ ليس منحصرا في اعتقادهم ضعفهم، بل قد يكون لغير ذلك". "التنكيل" (٢/ ١٦٦).
ونقل الحافظ العلائي على ذلك الإتفاق فقال: "وكون مالك لم يرو عن سعد بن سعيد لا يدل على ضعفه ولا تركه بالإتفاق إذا لم يصرح بذلك؛ لأنه يُحتمل أنه لم يتفق له لقاؤه أو غير ذلك من الاحتمالات". "رفع الإشكال عن صيام ست أيام من شوال" (٣٩ - ٤٠).
وقد بينت ذلك مع ضرب الأمثلة عليه في فصل خاص من كتابي "القول الأحمد بذكر من لا يروي إلا عن ثقة ومن يروي عن كل أحد".
ثانيا: إذا طُعن فيه من أجل مجيئه في سند حديث منكر توبع فيه من مثله أو ممن هو أحسن حالا منه أو كان في السند من هو أضعف منه؛ فلا يكون ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة عثمان بن أحمد بن السماك: "صدوق في نفسه، لكن
[ ١ / ١٤٤ ]
روايته لتلك البلايا! فالآفة من فوقه، أما هو فوثقه الدارقطني". ثم ساق الذهبي خبرا منكرا رواه ابن السماك ثم قال: "وهذا الإسناد ظلمات، وينبغي أن يُغمز ابن السماك؛ لروايته لهذه الفضائح". قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولا ينبغي أن يُغمز ابن السماك بهذا، ولو فتح المؤلف على نفسه ذكر من روى خبرا كذبا آفته من غيره؛ ما سلم معه سوى القليل من المتقدمين فضلا عن المتأخرين". "اللسان" (٤/ ٥٨٨ - ٥٨٩).
وساق ابن عدي ﵀ في ترجمة الحسن بن علي بن محمي خبرا ثم قال: "هذا حديث منكر، أحسب آفته ابن محمي". قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قلت: هذا الحسبان فاسد لا ذنب فيه لابن محمي ولا لشيخه (١)، وإن كان فيه مقال؛ فقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" عن سويد بن سعيد، وأخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زيادات المسند" عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن هارون بن مسلم (٢) بهذا السند والمتن". "اللسان" (٢/ ٤٢٥).
وقال ﵀ في ترجمة الحسين بن الفضل البجلي: "ساق الحاكم له خمسة عشر حديثا ليس فيها حديث مما ينكر؛ لكون سنده نظيفا، حتى يُلزق الوهم بالحسين، بل لا بد فيه من راو ضعيف غيره، فلو كان كل من روى شيئا منكرا استحق أن يذكر في الضعفاء لما سلم من المحدثين أحد، لا سيما المكثر منهم، فكان الأولى أن لا يذكر هذا الرجل
_________________
(١) الذي هو سويد بن سعيد الحدثاني.
(٢) فتابع محمد بن أبي بكر المقدمي سويدَ بن سعيد في شيخه هارون بن مسلم.
[ ١ / ١٤٥ ]
لجلالته، والله أعلم". "اللسان" (٢/ ٥٦٨ - ٥٨٩).
قلت: وقد قال الخليلي ﵀ في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أشرس: "معروف لكنه يروي عن الضعفاء، فما يقع في حديثه من المناكير؛ فمنهم لا منه". "الإرشاد" (٣/ ٣٢٧).
وقال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة مطرف بن معقل: "له حديث موضوع، والآفة من غيره؛ لأنه وثق". "المغني في الضعفاء" (٢/ ٣٠٥).
ففي كلام هذين الحافظين تأييد لما قرره الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم تحميل الراوي عهدة الخبر المنكر وفي السند من هو أضعف أو أحق بذلك منه، والله أعلم.
ثالثا: إذا ثبتت عدالة الراوي ثم طعن فيه: أنه يلحق اسمه في الطباق، ويدعي سماع ما لم يسمع؛ فلا يعد ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد السمعاني: "قال ابن النجار: "سماعاته بخط المعروفين صحيحة، وأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه؛ فإنه كان يلحق اسمه في طباق إلحاقا بينا، ويدعي سماع أشياء لم توجد" - قال الحافظ: - "وهذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد؛ فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وُجد الأصل الذي ادعى أنه سمع منه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه".
ثم نقل الحافظ عن ابن النجار ما يدل على سعة مسموع السمعاني، ثم قال: "ومن كان بهذه الكثرة؛ لا يُنكر عليه أن يلحق اسمه بعد تحقق سماعه، والله أعلم". "اللسان" (٤/ ٣٣٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
وقال في ترجمة مقدام بن داود الرعيني المصري: "قال أبو عمر الكندي: "لم يكن بالمحمود في روايته عن خالد بن نزار، وذلك لأنهم سألوه عن مولده فأخبرهم، ثم نظروا إلى الأسطوانة على رأس خالد بن نزار، فإذا سن المقدام يومئذ أربعة أعوام أو خمسة" قلت: وهذا جرح هين، فلعله سمع عليه وهو صغير". "اللسان" (٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
وقال ﵀ في ترجمة محمد بن يوسف بن موسى بن مسدي: "قال ابن حبان: "أخبرني أبو علي بن أبي الأحوص أن بعض شيوخه من الأندلس عمل أربعين حديثا، فأخذها ابن مسدي فركب لها أسانيد وادعاها" قلت: ليس هذا بقادح في صدقه، وإنما يعاب به بأنه أوهم أنه خرجها وتعب في تخريجها، ولو كان ادعى السماع لما لم يسمع؛ لكان كذابا وحاشاه من ذلك". "اللسان" (٦/ ٦٤٤).
فمن خلال هذه الأمثلة يتبين لك أن الرجل إذا ثبتت عدالته وصدقه ثم طُعن فيه بادعاء سماع ما لم يسمع أن ذلك لا يكون جرحا قادحا فيه، بل يُلتَمس له من الأعذار ما يزيل عنه هذه التهمة المنافية لثبوت عدالته وصدقه كما صنع الحافظ ابن حجر ﵀ مع هؤلاء الرواة، وكما هو الحال في شأن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، وإبراهيم بن الهيثم البلدي، وسليمان بن أحمد الطبراني الإمام، وغيرهم، كما يعرف ذلك بالنظر في تراجمهم، ولولا خشية الطول؛ لسقت شيئا من ذلك، وقد ذكرت شيئا من ذلك في رسالتي "التحديث ببعض أخطاء أبي الحسن في علم الحديث".
أما من لم يكن معروفا بالصدق والعدالة ثم ادعى سماع ما لم يسمع؛ فإن ذلك يكون جرحا قادحا فيه، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصر، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٤٧ ]
رابعا: إذا أخطأ في شيء ثم بُيِّن له فتراجع عنه؛ فلا يعد خطؤه جرحا قادحا فيه.
قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة أحمد بن علي بن بدران: "بعد الخمسمائة صدوق ضعفه ابن ناصر".
قال الحافظ: "والسبب الذي ضعفه ابن ناصر به لا ذنب له فيه، فإن بعض الطلبة نقل له على كتاب "الترغيب" لابن شاهين فحدث به، ثم ظهر له أنه باطل فرجع عنه، حكى ذلك ابن النجار في "تاريخه" ونقل كلام ابن ناصر فيه". "اللسان" (١/ ٣٤٢).
خامسا: إذا كان الراوي صاحب كتاب ثم طُعن فيه بعدم حفظه لحديثه عن ظهر قلبه؛ فلا يكون ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة عبد الواحد بن زياد البصري: "قال ابن عبد البر: "لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت". كذا قال! وقد أشار يحيى القطان إلى لينه، فروى ابن المديني عنه أنه قال: "ما رأيته طلب حديثا قط، وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا" قلت: وهذا غير قادح؛ لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة". "الهدي" (٤٢٢).
والذي عليه جمهور المحدثين: أن الراوي لا يُشترط أن يكون جامعا بين ضبط الصدر وضبط الكتاب، خلافا للإمام مالك ﵀ وجماعة من أهل التشديد في هذه المسألة، والله أعلم.
سادسا: إذا طُعن في الراوي بسبب غشيانه السلطان لحاجة؛ فلا يكون ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني: "قال ابن
[ ١ / ١٤٨ ]
نمير: "تركت حديثه؛ لقول أهل بلده" وقال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حران يسيئون الثناء عليه. فقال: "أهل حران قلّ أن يرضوا عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له" قلت: فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح". "الهدي" (٣٨٦).
وقال في ترجمته من "التقريب": "ثقة، تُكُلم فيه بلا حجة".
سابعا: قول بعض الحفاظ: "فلان أحب إلي من فلان" لا يعد جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة أزهر بن سعد السمان: "أحد الأثبات، وثقه ابن معين، وابن سعد، وأحمد بن حنبل، وأورده العقيلي في "الضعفاء" بسبب حديث واحد خولف فيه، وحكى عن أحمد أنه قال: "ابن أبي عدي أحب إلي من أزهر" قلت: وهذا لا يوجب قدحا". "الهدي" (٣٨٩).
وقال في موضع آخر من "هدي الساري" (٤٦٠): "أورده العقيلي بلا مستند".
ثامنا: إذا أمر الثقة الثبت جاريته، إذا كان لا يحفظ الحديث أن تقرأه عليه من كتابه؛ فلا يعد ذلك جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في ترجمة يزيد بن هارون الواسطي: "أحد الثقات الأثبات المشاهير، ذكر ابن أبي خيثمة عن أبيه: أنه كان بعد أن كف بصره إذا سئل عن الحديث لا يعرفه؛ أمر جاريته أن تحفظه له من كتابه، وكان ذلك يعاب عليه. قلت: كان المتقدمون يتحرزون عن الشيء اليسير من التساهل؛ لأن هذا يلزم منه اعتماده على جاريته، وليس عندها من الإتقان ما يميز بعض الأجزاء من بعض، فمن هنا عابوا عليه هذا الفعل، وهذا في الحقيقة لا يلزم منه الضعف ولا التليين، وقد احتج به الجماعة
[ ١ / ١٤٩ ]
كلهم". "الهدي" (٤٥٣).
تاسعا: تفرد الراوي بحديث بعد ثبوت عدالته لا يكون جرحا قادحا فيه.
قال الحافظ ابن حجر - ﵀- في ترجمة عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي: "قال الدوري عن يحيى بن معين: "لا بأس به" ووثقه الدارقطني، وذكره ابن عدي في "الكامل"، إلا أنه لم يقل فيه شيئا يقتضي ضعفه، بل أورد له حديثا ذكر أنه تفرد به، وهذا لا يوجب قدحا فيه بعد أن ثبت توثيقه". "الهدي" (٤٣٢).
وقال في موضع آخر من "هدي الساري" (٤٦٣): "ذكره ابن عدي بلا مستند".
[ ١ / ١٥٠ ]