بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله العلي الكبير، اللطيف الخبير، الولي النصير السميع
البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ولا نظير، وأشهد
أن محمدًا عبده المصطفى، ورسوله النذير، شهادة منجية من [عذاب] (١)
السعير، ومقالة موجبة حسن المصير، وصلاته وسلامه على المصطفين
من عباده أولي العزم والتشمير، خصوصًا على عبده أبي القاسم خير
البشر الذي هو أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا، صلاة دائمة إلى
يوم الدين.
أما بعد؛ أسأل الله التوفيق، فهذا كتاب اختصار تهذيب الكمال في
أسماء الرجالى، ومن أمره: أنه كتاب جامع كامل، عديم المثل، فَارِع
المئونةَ، كلما ازداد فيه المحذَث تبحرَا، زاد به عجبًا وتحيرَّا، وكلما رأى
الحافظ فيه وشيَّا مُحبَّرًا، زاد بمطالعته إعجابَّا وتبخترًا، ومهما رام الناقد
له تفتيشًا وتتبعًا، أعياه ذلك وانقلب خاسئا متفكرًا، [وقد] (٢): عَزَّ
والله وجود من يعرف مقداره، وعدم نظير مصنفه، وأنَّى مثل الإمام
الأوحد، العالم الحجة المأمون، شرف المحدثين، عمدة النقاد، شيخنا
وصاحب معضلاتنا جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الذكي
عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهر
القضاعي الكلبي المزي الدمشقي، بارك الله في عمره وحسناته، ورفع
في عليين درجاته، مولده في سنة أربع وخمسين وستمائة بظاهر حلب،
ونشأ بالمِزة ظاهر دمشق، فحفظ القرآن في صغره، وقرأ شيئًا من الفقة
والعربية.
ثم دخل البلد، وشرع في طلب الحديث بنفسه وله عشرون
سنة، فسمع الكثير من أبي العباس أحمد بن سلامة الحداد، والإمام أبي
_________________
(١) من "هـ".
(٢) في "د": وقال. والمثبت من "هـ".
[ ١ / ١٠٥ ]
محمد عبد الرحمن بن أبي عمر. الحنبلي، والقاسم بن (عتبة) (١)
الإربلي، والمسلم بن علان القيسي، وطبقتهم من أصحاب ابن طبرزد
وحنبل واْلكندي، ولم يزل يسمع إلى أن كتب عن أصحاب ابن عبد
الدائم، وسمع بمصر من العز الحراني وخلق، وبالإسكندرية وحماة
وحمص وحلب والقدس ونابلس وبعلبك وغيرها، وبرع في فنون
الحديث: معا نيه، ولغاته، ودقهه، وعلله، وصحيحه، وسقيمه،
ورجاله، فلم ير مثله في معناه، ولا رأى هو مثل نفسه، مع الإتقان
والصدق وحسن الخط، والديانة وحسن الأخلاق، والسمت الحسن،
والهدي الصالح، والتصوف، والخير، والإقتصاد، في المعيشة
واللباس، والملازمة للاشتغال والسماع، مع العقل التام، والرزانة،
والفهم، وصحة الإدراك، فجاء هذا الكتاب بخطه في خمسمائة
وعشرين كراسًا من القطع الكبير، أتى فيه بكل نفيسة، وبالغ، ولم
يأل في استيفاء شيوخ الشخص، وروايته وغرائبه وموافقاته وعدالته
وجرحاته ومناقبه وهناته وعمره ووفاته، فبقي حسرة على من لم يحصله
من الفضلاء، ولهفة على من أعوزه الإمكان.
فالتمس مني بعض الأخلاء اختصاره، والإتيان بالأهم فالأهم،
وكان كله في حكم المهم.
فقلت: لو صنفت له شرحًا لكان أولى من أن أوليه تنقيصًا وطرحًا،
ثم فكرت، ف! ذا (الأعمار) (٢) مولية، والهمم قصيرة، وضروريات
الكتاب مُحتاج إليها في الجملة؛ فاختصرته (مثبتًا) (٣) لذلك، تاركًا
للتطويل، آتيًا بزيادات قليلة.
أقول في أولها: "قلت" والله حسبي ونعم الوكيل.
_________________
(١) في "هـ" غنيمة.
(٢) في "هـ": الأعمال. خطأ.
(٣) في "هـ": مبينًا.
[ ١ / ١٠٦ ]
قال في أثناء الخطبة: ولم تخل الأرض من قائم لله بحجة، ولا
يحصل ذلك إلا بتزكية النفس، وذلك منحصر في العلم
والعمل، لكن اختلف الناس في ذلك وتباينوا فيه، فكل قوم يَدَّعون أَنَّ
ما هم عليه من القول والعمل هو الحق، المؤَّدي إلى تزكية النفس، وأن
ما سوى ذلك باطِلٌ مُضِرٌّ بصاحبه، ويقيمون على ذلك دلائل وبراهين
من أفكارهم، ويَدَّعي خصومهم مثل ذلك، فكل بكل معارض وبعض
ببعضى مناقض. وما كان هذا سبيله فليس فيه ضفاء غليلٍ ولا بُرْءُ عَليلٍ،
فلم يبق ما يعول عليه إلا القرآن والسنة.
فأما القرآن؛ فقد تولى الله حفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ﴾ (١) وظهر مصداق ذلك مع طول المُدة واتساع الإسلام.
وأما السنة؛ فإن الله - تعالى - وفق لها حفاظًا وجهابذة، فتنوعوا
في تصنيفها على أنحاء كثيرة، فكان من أحسنها تصنيفًا: صحيح
البخاري، ثم صحيح مسلم، ثم بعدهما: سنن أبي داود، ثم جامع
الترمذي، ثم سق النسائي، ثم سنن ابن ماجه - وإن لم يبلغ درجتهم.
فصنف في هذه الكتب تصانيف: بعضها في متونها، وبعضها في
أسانيدها؛ فكان من ذلك كتاب الكمال الذي صنفه الحافظ عبد الغني
المقدسي فلم يصرف عنايته إليه، ولا استقصى الأسماء، ولا تتبع
التراجم، ثم إن ولده رام تهذيب كتابه؛ فزاد فيه أسماء جماعة كثيرة
استدركها (٢) من الأطراف لابن عساكر، قذكر - طائفة من الصحابة
والتابعين، وذكر طائفة من شيوخ التبل، لكن ذكر ذلك مختصرًا مُنتَّفًا
مع أوهام شنيعة، فأردت تهذيب الكمال واستدراك النقص، فتتبعت
_________________
(١) الحجر: ٩.
(٢) غير واضحة بالمخطوطتين "د، هـ" والمثبت يقتضيه السياق، وانظر مقدمة تهذيب الكمال (١/ ١٤٨).
[ ١ / ١٠٧ ]
الأسماء فإذا هي كثيرة، ثم وقفت على عدة مصنفات لهؤلاء الأفمة افإذا
هي تشتمل على أسماء كثيرة، فسَبعتها مضافا إلى ما أغفله في الكمال،
فكان مجموع ذلك زيادة على ألف وسبعمائة اسم، فاضفتها إلى أصل
الكتاب، وجعلت ذلك كتابًا مستقلا.
وجعلت لكل تاليف علامة؛ فعلامة ما اتفق عليه الجماعة في الكتب
الستة (ع).
وعلامة ما اتفق عليه أصحاب السق الأربعة في سننهم
الأربعة: (٤).
وعلامة ما أخرجه البخاري وحده في الصحيح: (خ).
وعلامة ما فيه تعليقًا: (خت).
وعلامة ما أخرجه في القراءة خلف الإمام، وهو جزء: (ز).
وعلامة ما أخرجه في جزء رفع اليدين في الصلاة: (ي).
وعلامة ما أخرجه في كتاب الأدب، وهو مجلد: (بخ).
وعلامة ما أخرجه في كتاب أفعال العباد، وهو مجيليد: (عخ).
وعلامة صحيح مسلم: (م).
وعلامة مقدمة صحيحه: (مق).
وعلامة سنن أبي داود: (د).
وعلامة ما أخرجه في المراسيل: (مد).
وعلامة كتابه في القدر وهو جزء كبير: (قد).
وعلامة ما أخرجه في الناسخ والمنسوخ، وهو جزءان: (خد).
وعلامة ما له في كتاب التفرد، وهو تفرد أهل الأمصار بالسنن:
[ ١ / ١٠٨ ]
(ف) وعلامة ما أخرجه في كتاب فضائل الأنصار: (صد).
وعلامة ما أخرجه دي كتاب المسائل التي سأل عنها الإمام أحمد:
(ل).
وعلامة ما أخرجه في مسند مالك: (كد).
وعلامة جامع الترمذي: (ت).
وعلامة كتاب الشمائل له: (تم).
وعلامة النسائي: (س).
وعلامة ما أخرجه في عمل اليوم والليلة: (سي).
وعلامة ما له في كتاب خصائص علي ﵁: (ص).
وعلامة ما له في مسند علي: (عس).
وعلامة ما أخرجه في مسند مالك: (كن).
وعلامة سنن ابن ماجه القزويني: (ق).
وعلامة ما أخرجه في كتاب التفسير: (فق).
ولم يقع لي من مسند مالك لأبي داودم سوى الجزء الأول، ولا من
تفسير ابن ماجه سوى جزءين، ولم أذكر ما وقع من تصانيف هؤلاء في
غير الأبواب نحو: تاريخ البخاري الكبير، وتاريخه الأوسط، وتاريخه
الصغير، وكتابَي الضعفاء له، والكنى لمسلم، وكتاب التمييز له،
وكتاب الوحدان له، وكتاب الأخوة له، وكتاب الأخوة لأبي داود،
وكتاب معرفة الأوقات له، وكتاب العلل للترمذي، وهو غير
ما ذكره في آخر الجامع، وكتاب الكنى للنسائي، وكتاب أسماء الرواة
والتمييز بينهم. له، وكتاب الضعفاء له، وكتاب الأخوة له، وكتاب
[ ١ / ١٠٩ ]
إغراب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة له، ومسند منصور بن زاذإن
له، وغير ذلك.، وعامة ما فيه من تعديل وجرح؛ فمنقول من كتاب
عبد الرحمن بن أبي حاتم، وكتاب الكامل لابن عدي، وتاريخ بغداد
لأبي بكر الخطيب، وتاريخ أبي القاسم بن عساكر.
وما لم يذكر إسناده إلى القائل، فما كان بصيغة الجزم، فهو مما لا
نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه باسًا، وما كان منه بصيغة
التمريض؛ فربما كان في إسناده إلى (قائله) (١) ذلك نظر.
قلت: وكذلك فعلت أنا.
قال: فمن أراد مرإجعة شيء أو زيادة اطلاع؛ فعليه بمراجعة هذه
الأمهات الأربعة، ومن أراد زيادة اطلاع على رواة العلم؛ فعليه بطبقات
ابن سعد الكبرى، وبالتاريخ لأبي بكر بن أبي خيثمة، وكتاب الثقات
لابن حبان، وكتاب تاريخ مصر لأبي سعيد بن يونس، وتاريخ الحاكم
في أهل نيسابور، وتاريخ أصبهان لأبي نعيم؛ فهذه الكتب أمهات
الكب المصنفة في هذا الشأن إلى أن قال: وينبغي للناظر في كتابنا
أن يكون قد حصَّل طرفًا صالحًا من علم العربية، ومن علم الأصول،
ومن علم الحديث والتواريخ؛ فإنه إذا كان كذلك كثر انتفاعه به، وقد
قال النبي - ﷺ -: "لا تكذبوا عليَّ؛ فإنه من يكذب عليَّ يلج في النار".
أخرجه البخاري (٢) من حديث علي.
وقال أبو هريرة: قال النبي - ﷺ -: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل
ما سمع" (٣).
_________________
(١) في "هـ": قائليه.
(٢) البخاري (١/ ٢٤١ رقم ١٠٦) وأخرجه مسلم أيضًا في المقدمة (١/ ٩).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٠ رقم ٥).
[ ١ / ١١٠ ]
وقال عامر بن عبدة، عن ابن مسعود: "إن الشيطان لَيَمْثُل في
صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم من الكذب فيفترقون، فيقول
الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث".
وقال ابن سيرين: إن هذا العلم دين؛ فانظروا (ممن) (١)
تأخذونه!
وقال طاوس: إن كان من حدثكم مليًّا؛ فخذ عنه.
وقال سعد بن إبراهيم: إنما يحدث عن رسول الله - ﷺ - الثقات.
وقال يحيى القطان: سالت سفيان وشعبة ومالكًا وابن عيينة عن
الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، فقالوا:
أخبر عنه أنه ليس بثبت.
وروى عبيد الله الأشجعي، عن الثوري قال: ليس يكاد يفلت من
الغلط أحد؛ فمن كان الغالب عليه الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا
كان الغالب عليه الغلط ترك.
وعن شعبة قال: من أكثر من الغلط طرح حديثه، وإذا روى عن
العروفين ما لا يعرفه المعروفون فاكثر طرح حديثه، وإذا اتهم بالكذب
طرح حديثه، ومن روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه فتمادى في روايته طرح
حديثه، وما كان غير هؤلاء فارووا عنه.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن
فهذا لا يختلف فيه، والآخر يهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا
يترك، فلو ترك هذا لذهب حديث الناس، والآخر يهم والغالب عليه
الوهم؛ فهذا يترك حديثه.
وقال أبو نعيم: لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن حافظ له، أمين
_________________
(١) في التهذيب (١/ ١٦١): عمن.
[ ١ / ١١١ ]
عليه، عارفٍ بالرجال.
وقال ابن مهدي: من رأى رأيًا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا
دعا إليه استحق الترك.
وقال رواد بن الجراح: سمعت الثوري يقول: خذوا هذه الرغائب
والفضائل عن المشيخة، وأما الحلال والحرام فلا.
قال الربيع: قال الشافعي: لا تقوم الحجة بخبر الخاصة
حتى يجمع أمورًا منها: أن يكون من حدث به عالمًا بالسنة، ثقة في
دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به [عالمًا] (١) بما
يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه،
ويكون حافظًا إن حدث من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدّث منه، بريئًا
من أن يكون مدلسًا، يحدث عمن لقي بما [لم] (١) يسمع، أو يحدث
عن النبي - ﷺ - بما يحدث الثقات بخلافه عنه، ويكون هكذا من فوقه ممن
حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي - ﷺ -.
قال: ونقبل خبر الواحد ونستعمله، تلقاه العمل أو لم يتلقه، وهو
مذهب أهل الحديث.
قال ابن معين: قال لي أحمد بن حنبل: لا تحدث المسند إلا من
كتاب.
وقال ابن مهدي: الحفظ: الإتقان، ولا يكون إمامًا من حدث عن
كل ما رأى، ولا من حدث بكل ما سمع.
ْوقال يزيد بن زريع: فرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد.
وقال البخاري: قال علي بن المديني: [التفقة] (٢) في معاني الحديث
نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم.
_________________
(١) من التهذيب والرسالة للشافعي.
(٢) في "د، هـ": الثقة. والمثبت من تهذيب الكمال.
[ ١ / ١١٢ ]
وقال عبد الله بن هاشم: قال لنا وكيع: الأعمش أحب إليكم عن
أبي وائل، عن عبد الله، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن
علقمة، عن عبد الله؟
فقلنا ة الأعمش أقرب.
فقال: الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان بن منصور، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن
فقيه.
زاد غيره فقال: وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا من حديث يتداوله
الشيوخ.
وقال ابن قتيبة الدَّيْنَوَري: ولش لأمة إسناد كإسناد هذه الأمة.
قال أبو عبد الله البخاري: خرجت كتاب الجامع في تسع عشرة
سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، وتركت من الصحاح لحال
الطول.
وقال الحسين بن محمد الماسرجسي، عن أبيه عن مسلم،
قال: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وكتب أبو داود إلى أهل مكة: أما بعد؛ فهذه الأربعة [آلاف] (١)
وثمانمائة حديث كلها من الأحكام، فأما أحاديث كثيرة من الزهد
والفضائل وغير هذا فلم أخرجها.
وقال ابن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ -
خمسمائة حديث، ذكرت منها في السنن الصحيح وما يشبهه ويقاربه.
وقال سعد بن علي الزَّنجَانيُّ: للنسائي شرط في الرجال أشد من
شرط البخاري ومسلم.
_________________
(١) من "هـ"، وفي "د": الألف.
[ ١ / ١١٣ ]
محمد رسول الله - ﷺ - هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن
غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس
ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى هنا مجمع عليه، وما بعده
إلى إسماعيل فيه اختلاف.
قال محمد بن عبدة النسابة وغيره: أجمع النسابون أن إبراهيم الخليل
من ولد عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وأجمعوا أن
عدنان من ولد إسماعيل، فذكر [عن] (١) طائفة أن بينهما سبعة آباء،
وعن طائفة كذلك إلا أنهم اختلفوا في بعض الأسماء، وعن طائفة:
تسعة آباء، وعن طائفة: خمشة عشر أبًا.
قال: وأما الذين جعلوا بين جمدنان وإسماعيل أربعين أبًا؛ فإنهم
استخرجوا ذلك من كتاب رَخْيا كاتب أرميا، وكانا قد حملا معد بن
عدنان من جزيرة العرب أيام بُخت نصر، فاثبت رَخْيا في كتبه نسبه،
فهو معروف عند أحبارهم، ووجدنا طائفة من علماء العرب تحفظ لمعدٍ
أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل، وكل الطوائف قالوا: عدنان بن أُدَدَ،
إلا طائفة قالت: عدنان بن أُدِّ بن أُدَدَ.
وقال يتيم عروة: سمعت أبا بكر بن سليمان بن [أبي] (٢)
حَثْمَة، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم - يقول: ما وجدنا
أحدًا يعلم ما وراء عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم.
وسمعت عروة يقول: ما وجدنا أحدًا يعرف ذلك إلا تخرصًا. رواه
ابن لهيعة عنه.
قال ابن عبد البر: وكان ابن مسعود وعمرو بن ميمون الأودي
_________________
(١) من التهذيب.
(٢) من التهذيب، وهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وستأتي ترجمته قي الكنى.
[ ١ / ١١٤ ]
ومحمد بن كعب وغيرهم إذا تَلَوْا: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)
قالوا: كذب النسابون!
قال مصعب الزبيري. وغيره: فِهْرٌ جماع قريش كلها.
واختلفوا: لم سُمَّيت قريش قريشًا؛ فقيل: لتجمعها بمكة،
والتجمع: التقرش.
قال ابن عبد البر: قصي اسمه: زيد، وإنما قيل له: قصي؛ لأنه
كان قاصيًا عن قومه في قضاعة، ثم قدم مكة وقريش متفرقون،
فجمعهم إلى الكعبة، فسمي مجمعًا.
وقيل: سموا بقريش بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة،
وكان دليل بني النضر، وصاحب ميرتهم، فكانت العرب تقول: قد
جاءت عير قريش، وخرجت عير قريش. قال: وابنه بدر بن قريش؛
به سميت بدر التي كانت بها الوقعة.
وقيل: كان يقال للنضر بن كنانة: القرشي.
وقال آخرون: قصي كان يقال له: القرشي.
قال ابن عبد البر: المقدم من قريش: بنو هاشم، وهم فصيلة
رسول الله - ﷺ - وعشيرته الأقربون، وآله الذين تحرم عليهم الصدقة.
قال واثلة بن الأسقع: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله اصطفى كنانة
من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من
قريش، واصطفاني من بني هاشم" أخرجه مسلم (٢).
وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ولدته عام
_________________
(١) إبراهيم: ٩.
(٢) مسلم (٤/ ١٧٨٢ رقم ٢٢٧٦).
[ ١ / ١١٥ ]
الفيل في ربيع الأول يوم الإثنين في ثانيه، وقيل: في ثاني عشر،
وقيل: بعد الفيل بثلاثين سنة.
ومات أبوه وله ثمانية وعشرون شهرًا أو دونها، وقيل: وهو حمل.
وأرضعته ثويبة مع عمه حمزة، ثم أرضعته حليمة
السعدية، وأقام عندها في بني سعد أربع سنين.
وتوفيت أمه وله ست سنين، وقيل: له أربع.
ومات جده وله ثماني سنين، قكفله عمه أبو طالب، وخرج معه
إلى الشام حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا فعرفه بصفته، ثم خرج إلى
الشام في تجارة لخديجة حتى بلغ سوق بصرى، وتزوج بها وله خمس
وعشرون سنة، وابتعثه الله برسالته وله أربعون سنة، وعاش ثلاثًا وستين
سنة على الأصح.
ثم سمى الؤلف أولاده، وغزواته وحججه، وكتابه ورسله وعمومته
وزوجاته، ومواليه وخدامه، ودوابه وسلاحه، وغير ذلك.
قال أحمد في مسنده (١): ثنا وكيع، ثنا المسعودي، عن عثمان بن
عبد الله بنن هرمز، عن نافع بن جبير، عن علي: "كان رسول الله - ﷺ -
لا بالقصير ولا بالطويل، ضخم الرأس واللحية، شَثْنُ الكفين والقدمين (٢)،
مشربًا وجهه حمرة، طويل المَسْرُبَة (٣)، ضخم الكراديس (٤)، إذا مشى تكَفَّأ
_________________
(١) المسند (١/ ٩٦).
(٢) قال المزي في تهذيبه (١/ ٢٢٣): يعني: أنهما إلى الغلظ ما هُما.
(٣) قال المزي - رحمه الله تعالى -: والسربة ها هنا: العر المستدق من اللَّبَّةِ إلى السُّرَّة. المصدر السابق.
(٤) قال ﵀: والكراديس: رءوس العظام. المصدر السابق.
[ ١ / ١١٦ ]
تَكَفِّيًا (١)، كأنما ينحطُّ من صَبَبٍ (٢)، لم أر قبله ولا بعده مثله".
وروى عن المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هرمز ثم ساق
حديث جميع بن عمير بإسناده عن هند بن أبي هالة حديث الصفة
بطوله، ثم حديث الصفة من طريق موسى بن جعفر بن محمد، عن
آبائه، عن أبي هالة، ثم قصة أم معبد من الغيلانيات.
ثم قال: فصل: كان - ﷺ - أشجع الناس.
قال علي: "كنا إذا احمرَّ البأس ولقي القوم القوم اتَّقينا برسول الله
- ﷺ - فلم يكن أحد أقرب إلى القوم منه" (٣).
وكان أسخى الناس قال أنس: "ما سئل النبي - ﷺ - شيئًا قط فقال:
لا" (٣) وكان أشد حياءً من العذراء في خدرها، لا يثبت بصره في وجه
أحد، وما عاب طعامًا قط، وكان لا يأكل متكئًا ولا على خوان، وكان
يأكل البطيخ بالرطب، والقثاء بالرطب، ويحب الحلواء والعسل.
وقال أبو هريرة: "خرج ﵇ من الدنيا وما شَبع من
خبز الشعير" (٤) وفي حديث عائشة: "كان يأتي على آل محمد الشهر
والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار؛ كان قوتهم الماء والتمر" (٥).
وكان يقبل الهدية ويكافى عليها، وكان لا يتانق في مأكل ولا ملبس،
ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويكون في مهنة أهله، ويجيب دعوة
الغني والفقير، ويركب الفرس والبعير والبغلة والحمار، ويُردف خلفه
عبده أو غيره، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويلبس الصوف، وينتعل
_________________
(١) قال: يريد أنه يميد في مشيته، ويمشي في رفق غير مختال. المصدر السابق.
(٢) الصبب: الانحدار، والصبوب مثله.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٠٦ رقم ٢٣١٢).
(٤) أخرجه البخاري (٩/ ٤٦٠ رقم ٥٤١٤).
(٥) أخرجه البخاري (١١/ ٢٨٧ رقم ٦٤٥٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٨٣ رقم ٢٩٧٣).
[ ١ / ١١٧ ]
المخصوف، ويحب لبسن الحبرة، وكان يعصب على بطنه الحجو من
الجوع، وقد أتي بمفاتيح خزائن الأرض فلم يقبلها واختار الآخرة عليها،
وكان يكثر الذكر، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، وكان كثير التبسم
حسن البشر، يحب الريح الطيبة، ويتآلف أهل الشرف، ولا ينكر
اللعب المباح، ويمزح قليلا ولا يقول إلا حقًّا، وقد رعى الغنم، وقال:
ما من نبي إلا وقد رعاها إلى أن قال: قد جمع الله له كمال
الأخلاق ومحاسن الأفعال، وآتاه علم الأولين والآخوين، وهو أمي لا
يقرأ ولا معلم له من البشر، وأعظم معجزاته: القرآن، الذي أعجز
الفصحاء، وحير البلغاء، وأعياهم أن يأتوا بسورة من مثله، وشهد
بإعجازه المشركون، وانشق له القمر حتى صار فرقتين.
وقال ﵇: " زُويت [لي] (١) مشارق الأرض ومغاربها،
وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها (٢) ". فصدق الله قوله بأن مُلك أمته
بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم يتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وحنَّ إليه الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه، وسبح الحصى في
كفه، وسمعوا تسبيح الطعام وهو يؤكل عنده، وسلم عليه الحجر
والشجر، وكلمته الذراع المسمومة، وشهد الذئب بنبوته.
ومرَّ ببعير يسقى. عليه، فلما رآه جرجر ووضع جرانه بالأرض، فقال
﵇: "إنه شكا إليَّ كثرة العمل وقلة. العلف" وجرى ببعير آخر
نحو ذلك.
وكان نائمًا في سفر فجاءت شجرة تثق الأرض حتى قامت عليه،
فلما اسيقظ ذُكرت له، فقال: "استأذنت ربها في السلام
_________________
(١) في "د": له. والمثبت من "هـ"، والتهذيب وصحيح مسلم.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢١٥، رقم ٢٨٨٩) من حديث ثوبان.
[ ١ / ١١٨ ]
عليَّ، فأذن لها". وأمر شجرتين فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا.
وسأله أعرابي آية، فأمر شجرة فقطعت عروقها حتى جاءت فقامت
بين يديه، ثم أمرها فرجعت إلى مكانها.
وأراد أن ينحر ست بدنات فجعلن يَزْدَلِفْنَ إليه بأيتهن يبدأ.
وندرت عين قتادة بن النعمان حتى صارت في يده؛ فردها فكانت
أحسن عينيه وأحدَّهما.
وتفل في عيني علي ﵇ وهو أرمد؛ فبرأ من ساعته، ولم
يرمد بعد.
وأصيبت رجل عبد الله بن عتيك؛ فمسحها فبرأت من حينها.
وأخبر أنه يقتل أُبَيَّ بن خلف الجمحي؛ فخدشه يوم بدر - أو أحد -
خدشًا، فمات منه.
وأخبر يوم بدر بمصارع المشركين، فلم يَعْدُ واحد منهم مصرعه الذي
سماه.
وأخبر أن أمته يغزون البحر، وأن أم حرام منهم، فكان كما قال.
وقال لعثمان: ستصيبه بلوى شديدة. فَقُتِل.
وقال للحسن: لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فكان كذلك.
وأخبر بمقتل الأسود العنسي ليلة قتله، وأخبر بمثل ذلك في قتل
كِسْرَى.
وقال لثابت بن قيس: تقتل شهيدًا. فقتل يوم اليمامة.
وقال لرجل يقاتل معه: إنه من أهل النار. فصدق الله قوله بأن
[ ١ / ١١٩ ]
نحر نفسه.
ودعا لعمر أن يعز الله به الإسلام أو بأبي جهل، فأصبح عمر
وأسلم.
ودعا لعلي أن يذهب عنه الحر والبرد، فكان لا يجدهما.
ودعا لابن عباس أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، فكان
يسمى: البحر؛ لكثرة علمه.
ودعا لإّنس بطول العمر وكثرة المال والولد، فنال ذلك، وكان عتيبة
ابن أبي لهب قد شق قميصه وآذاه، فدعا عليه أن يسلط الله عليه كلبًا من
كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء.
واستسقى على منبره وما في السماء سحابة، فثار السحاب كالجبال
ومطروا لوقتهم إلى الجمعة الأخرى [حتى شكي إليه كثرة المطر، فدعا
الله - ﷿ -] (١) فاقلعت، وخرجوا يمشون في الشمس.
وأطعم أهل الخندق من صاع شعير وبَهْمَة، وانصرفوا والطعام أكثر
ما كان وأطعمهم أيضًا من تمر يسير أتت به بنت (بشير) (٢) بن
سعد إلى أبيها.
وأمر عمر أن يزود أربعمائة راكب من تمر كالفصيل الرابض، فزودهم
وبقي كأنه لم ينقص.
وأطعم في بيت أبي طلحة ثمانين رجلًا من أقراص شعير جعلها أنس
تحت إبطه حتى شبعوا، وبقي كما هو.
وأطعم الجيش من مِزْوَد أبي هريرة حتى شبعوا كلهم، ثم ردَّ ما بقي
_________________
(١) ما بين المعكوفين من التهذيب.
(٢) في "هـ": لبشير.
[ ١ / ١٢٠ ]
ودعا له فيه، فأكل منه حياة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما قتل عثمان
ذهب وأنفق منه خمسين وسقًا في سبيل الله - ﷿ - وأطعم في بنائه
بزينب خلقًا كثيرًا من قصعة أهدتها له أم سليم، ثم رفعت و(لا
يُدرى) (١) الطعام فيها أكثر حين وضعت أو حين رفعت.
ورمى الجيش يوم حنين بقبضة من تراب، فهزمهم الله، وقال
بعضهم: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه ترابًا. وفيه أنزل الله - عز
وجل-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٢).
وخرج على فتية من قريش ينتظرونه، فوضع التراب على رءوسهم،
ومضى ولم يرَوْه، وتبعه سراقة، فساخت قوائم فرسه في الأرض،
فناداه الأمان، فدعا له فنجاه الله.
وله من المعجزات الباهرة والدلالات الظاهرة والأخلاق الطاهرة ما
يضيق هذا المكان عن ذكرها، وذلك مُدَوَّنٌ في الكتب، والله الموفق.
_________________
(١) في "د ": لا يدري. والمثبت من "هـ"، التهذيب.
(٢) الأنفال: ١٧.
[ ١ / ١٢١ ]