ولد سنة ١٠٤ هـ وتوفي سنة ١٣٦ هـ
أصبح الملك بعد بني أمية ثابت الأساس لبني العباس وأولهم: أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد [الله] بن العباس عم النبي ﷺ، وذلك على ما بيناه في التمهيد السالف: تولى بالكوفة سنة ١٣٢ هـ بعد أن قتل مروان بن محمد آخر ملوك بني مروان، وكان أبو العباس هذا شديد العقوبة حازما مفكرا، لم يأل جهدا في الانتقام من بني أمية، بل أخذ يقتل ويصلب ويحرق كل من ظفر به منهم حتى تشتت شملهم واختفت آثارهم ولم يسلم منهم غير الأطفال، ومن ذهب إلى الأندلس، ونبش قبورهم فرأى معاوية بن أبي سفيان قد فني وابنه يزيد رمادا، وعبد الملك بن مروان لم يبق إلا جمجمته، ووجد هشام بن عبد الملك لا يزال عليه لحمه فأخرجه وصلبه وضربه بالسياط حتى تناثر لحمه، ثم أمر به فأخرق وذر رماده في الفضاء، ولم ينفرد أبو العباس بعمله، بل كان جميع أمرائه وولاته الذين وجههم إلى الأمصار يصنعون صنيعه لما كان الأمويون قد جعلوه في قلوبهم من الأحقاد الكامنة؛ فإن عبد الله بن علي دعا من بني أمية تسعين رجلا إلى الطعام فلما كانوا عنده أنشده شبل بن عبد الله مولى بني هاشم أبياتا حرضه بها على قتلهم وذكره بما صنعوا فثارت ضغينته وأمر بهم فضربوا بالعمد، وبسطت عليهم الانطاع فجلس هو وأصحابه عليهم يأكلون وهم يسمعون أنيهم من تحتهم حتى ماتوا جميعا.
وسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس قتل منهم بالبصرة جمعا وافرا وألقاهم للكلاب فأكلتهم، وامتدت إليهم الأيدي من كل ناحية وصوب حتى فني أكثرهم، ونجا من فر إلى الأندلس حيث أسست الدولة الأموية الثانية هنالك وسنتكلم في الفصل الآتي على رجالها.
[ ١٦٩ ]
ولقب أبو العباس «السفاح»؛ لكثرة ما سفح من دماء بني أمية، وبني في الأنبار مدينة سماها «الهاشمية»؛ وجمعها مقر خلافته، واتخذ الوزراء، وهو أول من أحدث الوزارة في الإسلام، فإن الأمويين لم يكن لهم من يطلقون عليه هذا [الاسم]، وإنما كانوا يقربون منهم رجالا يستشيرونهم في بعض شؤونهم ويعولون على آرائهم.
وكان السفاح من أسخى الناس يدا لا يعد وعدا ويؤخره عن وقته، وهو أول خليفة في الإسلام وصل بمبلغ مليوني درهم، وكان يلبس خاتمه باليمين، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه، وكذلك الخلفاء بعده، ولما ولي معاوية جعله في يساره واقتدت به بنو أمية فلما استولى السفاح أعاده إلى اليمن وتابعه الكثيرون، وبقى يستعمل في اليمين حتى كانت أيام الرشيد فنقله إلى اليسار وتبعته الناس حتى الآن، وكان فصيحا متأدبا.
ومن كلامه: «لأعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة، ولأكر من الخاصة ما أمنتهم على العامة، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعا».
- «ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا»
- «إذا عظمت القدرة قلت الشهوة».
مرض بالجدري وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره، ومات بالأنبار فدفن بها وقد عهد بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور، وكانت في أيامه ثورات فمنعها بالقوة وشدة الجدة ونشاط فتوة الملك.
[ ١٧٠ ]