ولد سنة ٥١ ق. هـ وتوفي سنة ١٣ هـ
توفي رسول الله ﷺ واضطرب أمر المسلمين من بعده في من يتولى أمرهم؛ فما زالوا حتى اتفقت كلمتهم على الصحابي الجليل أبي بكر، عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب التيمي القرشي، أقرب الناس مودة من النبي، وأول من آمن به من الرجال، وأحد عظماء أصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده وبذلوا النفس والنفيس في سبيل إعزاز دينه.
بويع بالخلافة يوم وفاة النبي في ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ، فخطب في المسلمين خطبة طويلة يحفظ منها: «أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له حقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، لا يدع أحد منكم الجهاد؛ فإنه لا يدعه قومه إلا ضربهم الله بالذل. أيها الناس، إنما أنا متبع لا مبتدع، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، إن أصبت الحق فأعينوني عليه، وإن زغت فقوموني».
وحاله في الجاهلية حال سيادة ورئاسة، وكانت العرب تدعوه «عالم قريش»، وله ثروة طائلة، وربما عالج تجارة البز، وهو من علماء الأنساب المذكورين كان عارفا بأخبار القبائل وبطون العرب وجماهيرهم كارها للسيئ من عادات الجاهلية وحرم على نفسه الخمر فلم يشربها، ولما نال الخلافة في الإسلام قام بشؤون الأمة حق القيام فحارب الذين ارتدوا عن الدين الإسلامي وقاتل الذين امتنعوا من إعطاء الزكاة، ثم اتجه إلى الاستعمار (^١) والفتح فافتتحت في أيامه الشام وقسم كبير من العراق واتفق له قواد أمناء كخالد بن الوليد وعمرو بن
_________________
(١) يقصد العمارة والبناء.
[ ١١٠ ]
العاص، وأبي عبيدة بن الجراح، والعلاء بن الحضرمي، ويزيد بن أبي سفيان، والمثنى بن حارثة، وازدهرت أيام العالم الإسلامي في زمنه، وود الناس لو طال ولكن المنية عاجلته فأصابته حمى شديدة فعهد بالأمر من بعده لعمر بن الخطاب حذرا من اختلاف الأمة بعده، كما اختلفت بعد رسول الله.
ومات بعد أن حكم سنتين وثلاثة أشهر ونصف شهر وعمره ثلاث وستون سنة.
وكان موصوفا بالحلم والصبر والرأفة بالعامة عادلا في أحكامه أثبت في الوقائع الإسلامية في حياة الرسول وبعده حبا عجيبا وولوعا غريبا بخير الأمة ونفعها وأظهر شجاعة وبسالة يدلك عليها ما أخرجه البزاز في مسنده عن علي أنه قال: «أخبروني من أشجع الناس، فقالوا: أنت؟ قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم فمن؟ قال: أبو بكر، إنه لما كان يوم بدر فجعلنا لرسول الله عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبا بكر شاهرا سيفه على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه فهو أشجع الناس» .. إلى آخر الحديث.
وقد شهد مع النبي ﷺ أكثر الغزوات وهو صاحبه في الغار ساعة لا ثالث لهما إلا الله، وكان خطيبا لسنا، وله مقالات محفوظة وكلمات مأثورة، ومن خيار ما ينقل عنه وصيته ليزيد بن أبي سفيان لما ولاه قيادة جمهور من المسلمين وسيره لفتح الشام فإنه شيعه ماشيا، وهو يقول له:
«إني قد وليتك لأبلوك وأجربك؛ فإن أحسنت رددتك إلى عملك، وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله؛ فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه،
[ ١١١ ]
وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسهر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم؛ فمن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة؛ فإنها أيسرهما لقربها من النهار، لا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، وستجد أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له».
ومن كلامه: «ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (يونس: ٢٣)، وقال: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (الفتح: ١٠)، وقال: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣)».
وهو القائل لخالد بن الوليد: «فر من الشرف يتبعك الشرف، واحرص على الموت توهب لك الحياة» يريد بالشرف الرياسة والسيادة.
ولما عهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب ﵁ كان كتاب عهده ما ترى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي الفاجر، إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب؛ فإن بر وعدل فذلك
[ ١١٢ ]
علمي، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء: ٢٢٧).
فانظر إلى الإنشاء العذب الذي يمثل لك البلاغة بأوضح معانيها، كما أنت تراه في تضاعيف كلامه وخطبه ووصاياه (رضوان الله عليه)، وكان إذا خطب يقول في ختام كلامه: «اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك»، فيعرف أنه انتهى.
واطلع على هذه النبذة مما نقله عنه المؤرخون. قال أحدهم: كان أبو بكر إذا سقط خطام ناقته ينيخها ويأخذه، فقيل له: هلا أمرتنا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئا.
ومن قصار خطبه مما أورده له ابن عبد ربه في العقد قوله:
«أيها الناس، اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضعه يخرقه، فنظر إليه أصحابه فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم فيه، فإن أخذوا على يده سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا معه، وهذا مثل ضربته لكم رحمنا الله وإياكم».
وقد جمع الفاضل صاحب كتاب أشهر مشاهير الإسلام طائفة كبيرة من أخباره وآثاره بلغت مئة وخمسين صفحة فارجع إلى الجزء الأول منه إن شئت الاطلاع على أكثر مما قدمت لك، وأما كتب التاريخ كتاريخ أبي جعفر الطبري وتاريخ ابن الأثير وتاريخ ابن خلدون وأشباهها؛ فهناك الكثير من أنبائه ﵁. ودفن مع النبي ﷺ في حجرة عائشة.
[ ١١٣ ]