ولد سنة ٩٥ وتوفي سنة ١٥٨ هـ
قال صاعد الأندلسي في طبقات الأمم: «أول من عني بالعلوم من ملوك العرب الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، فكان مع براعته في الفقه، وتقدمه في علم الفلسفة، وخاصة في علم صناعة النجوم كلفا بها وبأهلها»، وكان مولده بالشراة (كما في المعارف)، وولي الخلافة بعد أخيه السفاح، بويع يوم وفاته وهو بطريق مكة آتيا من الحج (سنة ١٣٦ هـ)، فقدم عليه أبو مسلم الخراساني وكان السفاح قد ولاه على خراسان، فلما ولي المنصور كان حاقدا على أبي مسلم خائفا من شره لما رآه من ميل الناس إليه والتفافهم حوله، فاستدعاه، فامتنع أبو مسلم ثم أطاع، وجاء المدائن مخدوعا يحسب أن المنصور سيحبوه ويكرمه، فلما تمكن منه أبو جعفر قتله شر قتلة (انظر ترجمة أبي مسلم)، وذلك عام ١٣٧ هـ، وهو لعمر الله بئس الجزاء جزى به آل عباس، مشيد دولتهم، ورافع لوائهم ومؤسس ملكهم، ولكن رحم الله المتنبئ إذ يقول:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلة لا يظلم!
وكان أبو جعفر يتهم بالبخل لحرصه ولأنه لم يكن يضع الأموال في غير موضعها، ولا يبذلها إلا في منفعته، فجمع مالا وفيرا، وكانت في أيامه أمور كثيرة لا علاقة لها بموضوع كتابنا هذا؛ لأنه لا يكتب فيه إلا ما يتعلق بترجمة صاحب الترجمة وأما ما كان في زمنه من الأحداث والخطوب فمرجعها كتب الأخبار وتواريخ الأعصار.
وهو باني بغداد، بدأ ببنائها سنة ١٤٥ هـ لجعلها مقر الملكه بدلا من «الهاشمية» التي لم تكن من الحصانة على ما يروم، وفي عصره شرع العرب يطلبون علوم
[ ١٧١ ]
اليونان والفرس ويترجمونها إلى العربية، وفي زمنه عمل أول اسطرلاب في الإسلام صنعه محمد بن إبراهيم الفزاري، وكان أبو جعفر بعيدا عن اللهو والعبث كثير الجد والتفكير في الأمور، وله تواقيع هي غاية في البلاغة منها:
- أن رجلا رفع إليه شكاية على بعض عماله فوقع فيها العامل: «اكفني أمره وإلا كفيته أمرك»، ووقع إلى عامل آخر: «قد كثر شاكوك، وقل شاكروك فإما اعتدلت، وإما اعتزلت».
- وكتب إليه سوار بن عبد الله القاضي: «إن عندنا رجلا شديد الترفض يدعى السيد الحميري» فوقع في كتابه: «إنا بعثناك قاضيا لا ساعيا!».
- ووقع في كتاب بليغ استماحه: «إن البلاغة والغنى إذا اجتمعا في رجل أطغياه، وقد رزقت إحداهما، فاكتف بها واقتصر عليها»، ورفع إليه في بناء مسجد فوقع: «إن من أشراط الساعة أن تكثر المساجد فزد في خطاك يزد في أجرك».
- وأوصى ابنه المهدي قبل وفاته فقال:
«لقد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البعوث، فإياك والأثرة والتبذير بأموال الرعية، واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل العامة، وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها فإن النوائب غير مأمونة، وهي من شيم الزمان، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد فتتدارك عليك الأمور وتضيع، وأعد رجالا في الليل لمعرفة ما يكون في النهار، ورجالا في النهار لمعرفة ما يكون في الليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن، وأسئ الظن بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ».
وفي سنة ١٥٨ هـ أراد المنصور الحج فسار فلما كان في الكوفة مرض فمات ببئر ميمون من أرض مكة المكرمة.
قال القلقشندي: ودفن بالحجون، وكانت مدة خلافته اثنين وعشرين عاما.
[ ١٧٢ ]