ولد سنة ٨٥ وتوفي سنة ٣ قبل الهجرة
أبو طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم: والد علي بطل الإسلام، وعم النبي الأمين وناصره، وكافله ومربيه، وهو من أبطال بني هاشم والمطاعين منهم.
قال رسول الله ﷺ: ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. وذلك أنه لما أعلن الدعوة ثارت عليه بنو قريش وأرادوا قتله، فانتصر له عمه أبو طالب، فصدهم عن أذيته، فلما مات أخرجوه فاضطر إلى الهجرة بمن معه كما قدمنا في الترجمة الأولى.
وكان أبو طالب خطيبا عاقلا حسن الروية طاهر القلب أبي النفس، وعرض عليه ابن أخيه الإيمان بدينه فوعده بنصرته وحمايته، ولكنه امتنع عن قبول الإسلام خوفا من أن تعيره العرب وتعيبه، فنزلت آية ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (القصص: ٥٦)، فتركه واكتفى منه بصد أعدائه عنه، وأورد الفاضل السهيلي في كتابه الروض الأنف نقلا عن هشام بن السائب الكلبي خطبة قالها
[ ٤١ ]
أبو طالب حين حضرته الوفاة، واجتمعت عليه وجوه قريش نذكرها عنه قال:
«يا بني قريش! إنكم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، وفيكم السيد المطاع، والمتقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم على الناس بذلك الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية؛ فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش، وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها؛ فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق؛ ففيهما هلكت القرون قبلكم، وأجيبوا الداعي وأعطوا السائل؛ فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة؛ فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، وأنا أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو جامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر: قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنان، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس: قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها وأعظمته قيادها، دونكم يا معاشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة ووالله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي».
ومن خطبه ما ذكره الإمام المبرد قال: خطب أبو طالب لرسول الله ﷺ في تزويجه خديجة بنت خويلد فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما، وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي: من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح
[ ٤٢ ]
عليه برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي».
قال المبرد: وهذه الخطبة من أقصر خطب الجاهلية.
وكان أبو طالب صاحب تجارة كباقي قريش، ومولده في موطنه مكة وبها نشأ وفيها مات ودفن، وأعقب أربعة واثنتين، وهم: علي، وجعفر، وعقيل، وطالب، والاثنتان هما: أم هانئ واسمها فاختة، وجمانة، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.