لهذا الكتاب قصة طريفة .. فقد تلقيت دعوة كريمة من ابنته السيدة (حياة الزركلي) وقد اصطحبني في تلك الدعوة الأستاذ مصطفى موسى المحقق التراثي المعروف، ولأننا لا نعرف الطريق إليها فكان لزاما علينا أن يصحبنا إليها ابنها المهندس محمود عبد العاطي وكان موعد لقائنا مغرب الخميس ٢٦/ ١١/ ٢٠١٣ م، بالقرب من ميدان الدقي لننطلق لمقابلة السيدة الفاضلة .. ولكن الطريف أن المهندس ليس خبيرا بدروب القاهرة وشوارعها الأمر الذي جعله يصطحب حرمه المصون السيدة صافيناز الجمال فهي الخبيرة بتلك الدروب .. وبالفعل كان لقاؤنا على الموعد .. انطلقت السيارة تطوي الأرض طيا في طريقها للمعادي يصطحبنا في المسير نيل مصر العظيم .. وعندما وصلنا كانت السيدة «حياة» في استقبالنا بحفاوة بالغة هي سيدة طويلة ممشوقة القوام .. نحيلة الجسم .. بيضاء .. عليها آثار السنين من خلال بعض تجاعيد الزمن .. تحتفظ بذاكرتها عن والدها وأخباره وأحبابه وحياته .. وقصت علينا قصصا عن كتبه ورحلاته وحبه للعلم .. ثم قدمت لنا حقيبة سوداء كبيرة مملوءة بالأوراق والملفات تولى أ/ مصطفى موسى مهمة فتح الأوراق وتقديمها لنا .. فتجد - مثلا - مخطوطا لمسرحية شعرية ومخطوطا لمقال لم ينشر .. وصورة دراسة مقدمة الدورية ما، وصور لشهادات تقدير مقدمة من المملكة المغربية … . وفي مظروف أبيض صغير كانت تلك المفاجأة - مخطوط كامل بخط صغير
-
[ ١٤ ]
وجميل ومقروء، على صفحته الأولى أشار الزركلي أنه كتاب لم يكتب له مقدمة ولم يختر له اسما، ولم يكمله، ويظن أنه كتبه عام ١٩٢٨!!
أخذتنا الأوراق الكثيرة للنظر فيها ومعرفة ما يصلح للنشر وما يمكننا تقديمه .. بينما أخذت حرم المهندس محمود عبد العاطي جانبا ومعها المخطوط الصغير .. تقرأ فيه باهتمام بالغ - فهي متخصصة في التاريخ والآثار ولأن الزركلي لم يختر له اسما .. فكانت دعابتها أنه (الكتاب الأمور)، وتتعالى - ضحكاتنا لهذه التسمية الطريفة …
أخذت «المخطوط» وبعض أوراقه، وودعنا السيدة «حياة» لتكون رحلة العودة .. لم أنم في تلك الليلة بضيفي الجديد في غرفتي .. كتاب جديد .. لم يذكره كل من كتب عن الزركلي .. بل لم يذكره الرجل عندما ترجم لنفسه .. مبكرا استيقظت صباح الجمعة لأقرأ في تلك الدرة النادرة .. ولأول مرة أعرف قلة صبري .. فلم احتمل ليوم الأحد فأمسكت بهاتفي واتصلت بالأستاذ الدكتور أحمد مجاهد رئيس مجلس إدارة الهيئة وأخبرته بالموضوع والذي رحب بنشره وأحسست أنه يشاطرني فرحتي بهذا الكتاب النادر والمجهول .. مر يوم الجمعة ببطء ثم تلاه السبت ببطء أشد، ويوم الأحد مبكرا ذهبت إلى الهيئة ويبدأ نقاشنا حول كيفية الطبع .. هل نكتبه على الكمبيوتر أم نصوره بخط الرجل ليكون تحفة فريدة .. وبعد التجارب والنقاشات العديدة من فريق عمل متكامل استقر الرأي على كتابته بالكمبيوتر، ثم نصوره وليكون الكتاب بصورتيه الجديدة والمخطوطة في غلاف واحد، وأرسلنا الكتاب لقسم «الإسكانر» لتصويره على الكمبيوتر .. ولعمري إنني انظر إليه بعد تسليمه لهم تماما كرضيع حرم من صدر أمه لتوه!!
خصصت موظفا خاصا لهذا الكتاب ليأتيني بأخباره يوميا .. لا عمل له إلا مراعاته والحفاظ عليه وطمأنتي عليه من وقت إلى آخر ويعود به آمنا إلى ليستقر .. يوميا .. بأحضاني.!!
أخيرا هذا كتاب أطلقت عليه «تراجم الأوائل والخلفاء - الأعلام الصغرى»
[ ١٥ ]
تيمنا بكتاب «الأعلام»، ذلك الكتاب، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وخلد ذكرهم.
والكتاب صغير الحجم لا يتعدى المائتين من الصفحات، وهو أيضا في مجال التراجم، ولكن أي تراجم التي أفرد لها الزركلي كتابه الصغير؟!
يبدأ الكتاب بترجمة ليست وجيزة للنبي ﷺ اسمه وحياته وزواجه وغزواته وبعض أقواله … ثم ينتقل إلى تراجم «بيت النبوة» أجداده بدءا من عدنان وحتى عبد الله بن عبد المطلب مرورا بمضر وكعب بن لؤي وقصي وعبد مناف وهاشم بن عبد مناف وعبد المطلب … ثم ينتقل الزركلي مترجما لأسرة بني هاشم وفيها ترجمة أبي طالب وحمزة والعباس والحسن بن علي والإمام الحسين ثم ترجمة الأئمة الاثنى عشرية، وتضم ترجمة زين العابدين بن علي والإمام الباقر ثم جعفر الصادق وموسى الكاظم ثم علي الرضى … ثم ينتهي بالإمام المهدي، ثم ينتقل الزركلي مترجما لملوك الجاهلية بدءا من حموربي وقحطان ويعرب وسبأ وحمير وتبع وعمرو بن لحي وحذيمة الوضاح وكليب … .. فإذا ما انتهى إلى قيس بن زهير. فيبدأ بابا جديدا - في تراجمه لتكون تراجم الخلفاء الراشدين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم يبدأ بتراجم الخلفاء بني أمية، فإذا ما انتهى منهم فتكون تراجم الخلفاء العباسيين، ومنها إلى خلفاء المسلمين في الأندلس. المتأمل بين تراجمه في كتابنا وردت - بعضها - مفصلة وقد يروي بعضا من سيرته وأشعاره ولذا قد تمتد الترجمة لصفحة أو اثنتين وقد تزيد أحيانا، وقد تقصر فتصل لثلث الصفحة.
وعلى هذا فإن هذه التراجم - بمادتها - غير موجودة بكتاب الأعلام وإن ورد أصحاب التراجم بالأعلام.
وإذا كان كتاب «الأعلام» ضم نحو خمس عشرة ألف ترجمة، وأورد صورا لبعض من ترجم لهم كما أورد خطوطا لبعض منهم ممن تيسر له في العهود القريبة. فإن كتابنا هذا ضم ما يقرب من مائة وخمسين ترجمة.
[ ١٦ ]
وإذا كان الزركلي في كتابه «الأعلام»، بدأ مبوبا ومرتبا الأعلام حسب الترتيب الألفبائي .. فإن ترتيبه هنا في الأعلام الصغرى ترتيبا زمنيا عدا ترجمة النبي ﷺ التي تصدرت الكتاب.
وإذا كان الزركلي لم يختر له اسما ولم يكتب له مقدمة كما نص بخطه .. فكان حريا بنا أن نكتب له مقدمة نعرف فيها بالزركلي وكتابه هذا ومنهجه ومصادره والفرق بينه وبين كتابه الكبير «الأعلام»، ثم كان لزاما علينا أن نعطيه - أي الكتاب - عنوانا، ولذا كان العنوان الأقرب إلينا وإلى روح الزركلي «تراجم الأوائل والخلفاء - الأعلام الصغرى».
يبدأ الزركلي ترجمته باسم الشهرة للمترجم أو اسمه الحقيقي إذا كان المترجم له مشهور به .. فنجد تراجم - مثلا - بالأسماء الحقيقية وعبد مناف، ولهاشم ابن عبد مناف، وعبد المطلب بن هاشم وعبد الله بن عبد المطلب، والحسن ابن علي، والحسين بن علي … . وقد تجد ترجمة بأسماء الشهرة دون الاسم الحقيقي، فنجد ترجمة لجذيمة الوضاح، وتبع، حتى ما وصلنا للعباسيين فتجد تراجم أبو العباس السفاح، والراضي بالله، والمقتدر بالله … ثم ينتقل الزركلي بعد الاسم المترجم له بذكر سنة الميلاد وكذا سنة الوفاة على أرجح الأقوال.
ثم تبدأ الترجمة ولكن يلاحظ أن تراجمه في صدر الكتاب (بيت النبوة والأئمة الاثنى عشرية والملوك والأمراء، والخلفاء الراشدين)، كان الزركلي يبدأ الترجمة مباشرة، باسم المترجم له وميلاده ونشأته … . ولكن مع خلفاء بني أمية وبني العباس والأندلسيين كان حريصا أن يصدر الترجمة بعدة سطور عن شخصية المترجم له، يدرك القارئ منها أهمية تلك الشخصية وقوتها أو ضعفها .. انظر - مثلا - ترجمة (سليمان عبد الملك) يقول: «لم يكن صاحب هذه الترجمة من أولئك الرجال الذين حالفهم التوفيق فشادوا وسادوا، ولكنه قصرت مدته، وحاول القيام بعمل عظيم فلم يفلح، وكان الناس قد استبشروا بتوليه بعد أخيه … ».
[ ١٧ ]
كما كان الرجل حريصا على ذكر خاتمة للترجمة يضمنها مدة تولية الخلافة بالسنين والشهور وأحيانا الأيام، وذكر عدد أولاده ومكان دفنه.
- حرص الزركلي أن يذكر مصادره في كتابه - على الرغم من تصريحه المباشر على أنه سيذكرهم بقائمة في نهاية الكتاب، ولكنه لم يفعل - وقد أحصيت عدد المصادر التي ذكرها في ثنايا التراجم فتعدت السنين مصدرا، ما بين مصادر تختص بالتاريخ العربي والإسلامي في الشرق كتاريخ الشام لابن عساكر، وتاريخ بغداد والمعارف لابن قتيبة، والأغاني للأصفهاني، وبين كتب تضم التاريخ المغربي والأندلسي كنفح الطيب للمقري، والبيان المغرب لابن عذارى المراكشي أو المعجب في تلخيص أخبار المغرب، كما اعتمد على كتب تاريخيه عامة كالكامل في التاريخ لابن الأثير وتاريخ الطبري، وتاريخ ابن الوردي .. كما اعتمد على كتب الأنساب ككتاب .. «سبائك الذهب» للقلقشندي، وكذا نجد كتب التراجم، فتجد وفيات الأعيان لابن خلكان، وشذرات الذهب لابن العماد، وتاريخ النحاة للسيوطي .. لم يتوقف الزركلي على الكتب العربية فتعداها إلى كتب مترجمة ككتاب «السياسة الإسلامية» لماربين، وتاريخ الجاهلية لدى برسفال كما اعتمد على العديد من الدوريات كمجلة لغة العرب، ومجلة الشرق.
- وكما كان الرجل حريصا على ذكر المصادر والمراجع .. كان - أيضا - حريصا على ذكر خلافات المؤرخين، ولكنه عند الخلاف يتجاذب الزركلي جانبان ..
الأول منهما .. أنه يذكر الخلاف فقط كما في ترجمة (الحسين بن علي)، قال: وبعد قتال عنيف نشب بين الفريقين، أصيب الحسين بجراح شديدة، فسقط عن فرسه، فقتلوه، قيل قاتله سنان بن أنس النخعي، وقيل: الشمر بن ذي الجوشن، وأرسل رأسه ونساؤه وذراريه إلى يزيد … . واختلفوا في الموضع الذي دفن رأس الحسين فيه، فقائل في الشام، وقائل بل دفن مع الجثة في كربلاء وقائل غير ذلك فقد ذكر الزركلي الخلاف ولم يبد رأيا فيه.
[ ١٨ ]
والثاني: نرى الزركلي يدخل طرفا في الخلافات ويرجح رأيا أو يصوب تاريخا أو موقفا كما في ترجمة (علي الرضى) فيقول: «… وفي سبائك الذهب للقلقشندي أن وفاته كانت سنة ٢٣٠ هـ والصحيح ما ذكرته [٢٠٣ هـ] واعتمده ابن خلكان وأكثر المؤرخين».
والزركلي لم ينقل فقط، ولكنه حاضر في كتابه له آراؤه، ففي ترجمة (جعفر الصادق) يقول: «والشيعة تذكر أن لجعفر كتابا يدعونه (الجفر) ذكر فيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة. وهذا الوصف باطل» .. كما أنه لم يقر للفيلسوف الألماني ماربين في كتابه «السياسة الإسلامية» بشأن الحسين (انظر: ترجمة الحسين بن علي) ولذلك نرى للزركلي آراء كثيرة، فله رأي في البدع والأوهام والخرافات (انظر: ترجمة علي الخالص) ورأي عن أهل السنة والشيعة (انظر: ترجمة: المعتصم بالله).
كما نجد له رأيا أدبيا ونقديا، ففي ترجمة (سليمان بن الحكم الأندلسي) وقد أورد أبياتا شعرية ثم قال: «وهذه القصيدة إنما نظمها المستعين معارضا الأبيات التي عملها العباس بن الأحنف على لسان هارون الرشيد، وأورد منها أبياتا ثم قال .. وهذه القطعة أرشق وأعذب …».
- والكتاب على الرغم من صغر حجمه فإنه يضم الكثير من اللقطات، فتجد لقطات لغوية (ترجمة حمير/ تبع/ الضيزن السليحي/ الناصر)، ففي ترجمة حمير - مثلا - يتعرض للغة اليمن التي تختلف عن لغة العرب الحجازيين، فيتكلم عن (الوتم) وهو إبدال السين تاء فيقول: النات بدلا من الناس، وكذلك عن (الشنشنة) وهي إبدال الكاف شيئا، وإبدال لام التعريف ميما، وقد ورد أن رسول الله ﷺ تكلم بتلك اللغة، حيث قال: «ليس من امبر امصيام في امسفر»، ويقصد: «ليس من البر الصيام في السفر …» إلخ.
كما نراه يعدد أسماء الأصنام عند العرب، وما تعبده القبائل منها (ترجمة عمرو بن لحي).
- اعتمد الزركلي على بعض كتب ليست لدينا تلك النسخ التي اعتمد عليها
[ ١٩ ]
ففي (ترجمة علي الهادي) أورد أبياتا شعرية، وذكر أن الأبيات أكثر من ذلك في كتاب «الكنز المدفون» ولكن بالرجوع للكنز المدفون لم نر الأبيات على ما ذكره الزركلي، وعلى هذا فقد اعتمد الرجل على نسخة للكنز ليست بين أيدينا الآن .. وفي هذا السياق ذكر الزركلي كتابا له تحت عنوان «الصيب المنثال في شرح أرجوزة الأمثال»، كما أشار إليه في ترجمة (كليب) وأسأل الله أن نعثر عليه في قابل الأيام، ليعد إضافة حقيقية لتراث الرجل الأدبي والثقافي.
- في ثنايا بعض الترجمات ينوه الرجل إلى أن هناك تراجم للشعراء والقواد وغيرهم، ففي ترجمة (كليب) - مثلا - أشار إلى أنه سيترجم للمهلهل في (ديوان الشعراء)، وكذلك في ترجمة (عمرو بن هند) ذكر أنه سيترجم لعبيد بن الأبرص … إلخ مما يؤكد أن الرجل بدأ كتابه بطموحات كبيرة وآمال عريضة ثم عدل عنها، وهو ما أشار إليه في نهاية الكتاب، وربما وجد في كتابه «الأعلام» غنى عن هذه التراجم فتوقف عند هذا الحد.
- وأخيرا إليك عزيزي القارئ، هذا الكتاب الصغير حجما، الكبير مقاما، الكثير علما فهو بحق موسوعة أدبية جامعة به الأنساب والشعر، والحكم والتاريخ، والمعارك والفتوحات، والأقوال والنوادر …
وبعد .. فهذه نسخة خطية واحدة .. اجتهدت لضبطها ما استطعت ولم أتدخل في النص إلا نادرا وقد وضعته بين معقوفتين [] لنبين للقارئ أن ما بينهما ليس للزركلي. فإن باءت اجتهاداتي بالفلاح فمن الله وحده، وإن كانت الأخرى فمني التقصير وللقارئ، الاعتذار، والله أسأل التوفيق والسداد، إنه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. محمد علوان سالمان
القاهرة في مساء الإثنين
١٢ من ربيع الأول ١٤٣٥ هـ
١٣ من يناير ٢٠١٤ م
[ ٢٠ ]