ولد نحو سنة ١٣٤ ومات نحو سنة ٦٢ ق. هـ
الغسانيون هم عرب الشام قبل الإسلام ترجع أنسابهم إلى أصول يمانية تفرق أهلها من اليمن عند انفجار سد مأرب، والمؤرخون مختلفون في أخبارهم على ما سنورده وإنما يتلخص لنا أن الغسانيين كانت لهم الولاية على جميع أطراف
[ ٩٢ ]
الشام من الجنوب والشرق والشمال الشرقي تمتد جنوبا إلى الحجاز وشرقا إلى حدود ملوك العراق من اللخميين، ولم يصح ملكهم لدمشق، وإنما كانت لهم الزعامة والإمارة على عرب الشام كافة، وكانت عاصمتهم بصرى (اسكي شام) في حوران، أما دمشق فكان أكثر سكانها من الروم يحكمها أمراء من قبل القياصرة أصحاب القسطنطينية كانوا يقربون أمراء غسان منهم ويكرمونهم ليكونوا للشام مجنا يدفعون به غارة مهاجميها من عرب الحجاز والعراق، وسموا غسانين لنزولهم على ماء يدعى غسان بالقرب من الشام وهم قادمون من اليمن، وكانت الديانة الشائعة فيهم هي النصرانية وفيهم وثنيون كثيرون، وطالت مدتهم نحوا من خمس مئة سنة، أولهم جفنة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو ابن مزيقياء، وآخرهم جبلة بن الأيهم الذي أسلم وارتد.
والعجب من ديار الشام فإنها على كثرة ما تضم من الآثار الشواخص لا تزال موضع بحث الباحثين من المستشرقين وعلماء العاديات والآثار والتاريخ، والخلاف ما برح قائما فيما يتعلق بالغسانيين من وجوه أربعة:
أولها: هل ملك الغسانيون بلاد الشام كلها أم بعضها؟
ثانيها: هل حكموا دمشق؟
ثالثها: لماذا سموا غسانيين؟
رابعها: هل كانوا جميعهم نصارى؟
فأما امتلاكهم الديار الشامية فلا دليل عليه غير ما جاء في كتاب «أشهر مشاهير الإسلام» قال مؤلفه الفاضل (ج ٢ ص ٢٣٣): «… والذي يترجح عندنا أن الفرس لما دوخوا الولايات الرومانية سنة ٦١٤ م أقروا ملوك غسان على ما كان لهم وأقاموهم ملوكا على الشام ولما استعاد هرقل من الفرس البلاد لم يشأ أن ينزع من ملوك غسان الولاية لضعفه في حرب الفرس وخوفه من شغب القوم
[ ٩٣ ]
فاستمرت بيدهم ولاية دمشق إلى حين الفتح الإسلامي، بل هناك دليل آخر على أن سلطة بني غسان يومئذ تجاوزت ولاية دمشق، وربما شملت سورية كلها فقد ذكر المؤرخون أن جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان ابتنى بين اللاذقية وطرابلس مدينة سماها باسمه وهي جبلة التي لم تزل عامرة إلى هذا العهد … لا جرم إن سلطة العرب كانت يومئذ مبسوطة على الشام، وكانت عاصمة ملوكهم دمشق ولولا ذلك لما تسنى لجبلة أن يبتني تلك المدينة ويسميها باسمه»، وهذا القول لم يشاركه فيه غيره من أهل البحث والنقد فيما نعلم فيثبت أو يسقط.
وأما الخلاف في حكمهم دمشق فقوي جدا ولفريقي المختلفين أدلة وحجج؛ فمن القائلين بالسلب المستشرق الكبير نلدك صاحب تاريخ أمراء غسان (ص ٤٧).
قال: «وأما عاصمة الغسانيين فكانت الجابية في الجولان، وهي عبارة عن قرية كان يسكنها قوم من الحضر مع لواحق تحدق بها يأوي إليها أهل الوبر، وكان ملوك غسان في وسطهم كشيوخ القبيلة يقطنون قصرا ابتنوه في ظهرانيهم»، كذا نقلته المشرق وقد نقصهم هذا المحقق قدرهم لما ثبت في التاريخ من إعظام ملوك الروم لهم وتقدمهم عندهم مما لا يكون لشيوخ القبائل مثله، وأيد أحد الباحثين رأي نلدك (راجع مجلة المشرق ج ١، ص ٤٨٤، وج ٣، ص ٤٣٨)، ومن القائلين بأن الغسانيين حكموا دمشق المستشرق الدكتور فانديك قال في كتابه «المرآة الوضية»: «وكانت - يعني دمشق - قبل الإسلام تحت آل جفنة ملوك غسان الذين يقول فيهم حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية المعم المخول
يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومن نقض هذا القول فحجته قول حسان في نفس القصيدة:
[ ٩٤ ]
لله در عصابة نادمتهم … يوما بجلق في الزمان الأول
وعنده أن جلق قرية من قرى الغوطة يمر بها نهر بردى، لا دمشق نفسها، ذهب إلى هذا الرأي تلدك صاحب أمراء غسان ودي برسفال في تاريخ الجاهلية:
وفي أشهر مشاهير الإسلام (جـ ١، ص ٦٠، وجـ ٢، ص ٢٢٩) بحث حاول صاحبه فيه إثبات حكم الغسانيين للشام فراجعه.
وأما سبب تسميتهم غسانيين فلم يكن من الأمور التي فكر بها الباحثون، ولكن ياقوت في معجمه (٦ ص ٢٩٢)، اضطرب فيه فقال: «يجوز أن يكون فعلان من الغس وهو دخول الرجل في البلاد، وهو اسم ماء نزل عليه بنو مازن بن الأزد بن الغوث وهم الأنصار (الأوس والخزرج)، وبنو جفنة وخزاعة فسموا به، ويقال: غسان ماء بالمشكل قريب من الجحفة - وهي قرية بين المدينة ومكة وقال نصر: غسان ماء باليمن بين رمع وزبيد وإليه تنسب القبائل المشهورة إلى آخر كلامه».
وأما نصرانيتهم فالأكثر على أن الدين الذي كان غالبا على تلك القبائل هو النصرانية لا أن جميعهم كانوا نصارى، وللأب أنستاس الكرملي بحث موجز مفيد يؤخذ منه هذا القول (راجع مجلة لغة العرب، ج ٣، ص ١٤١).
هذه خلاصة يسيرة لا تفي بالمراد، ولكنها ترشد الباحث إلى مظان البحث، ومواضع الخلاف ولعل الآثار توضح لنا ما جهلناه وتكشف ما وددناه.
أما صاحب هذه الترجمة فإن «الحارث الغساني» لقب يتناول كل من ملك أو أمر في بني غسان، ولفظ الحارث فيهم كلفظ قيصر في الروم وكسرى في الفرس، والذي أردناه هو ترجمة أشهر ملوك غسان ذكرا وأبعدهم صيتا: الحارث الخامس المعروف بالأعرج بن أبي شمر جبلة بن الحارث الرابع بن حجر،
[ ٩٥ ]
صاحب الوقائع المشهورة في عرب الحجاز والعراق وممدوح حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر.
قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: وأمه (أي الحارث) مارية ذات القرطين، وكان غزا خيبر فسبى من أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام، وكان سار إليه المنذر بن المنذر بن ماء السماء في مئة ألف فوجه إليهم مئة رجل، وأظهر أنه إنما بعث بهم لمصالحته فأحاطوا برواقه فقتلوه وقتلوا من معه في الرواق وركبوا خيلهم فنجا بعضهم وقتل بعض، وحملت خيل الغسانيين على عسكر المنذر فهزموهم، كما قدمنا في ترجمة المنذر، وكان للحارث بنت جميلة حليمة كانت تطيب أولئك الفتيان الذين دخلوا على المنذر وأوقعوا به وهي التي ألبستهم الأكفان وفوقها الدروع التي كانت تحجبها الثياب في الظاهر، وهذه الواقعة ذكرها ابن الأثير أيضا وسماها يوم مرج حليمة (انظر الكامل، ج ١/ ١، ص ١٩٥)، وفي هذه الحادثة خلاف عند أصحاب الأخبار فبعضهم يقول: إن الذي قتل بها هو المنذر بن ماء السماء، وبعض يقول: بل مات المنذر في وقعة عين أباغ - المذكورة في ترجمة المنذر - وفي الكامل تفصيل الخلاف فراجعه في الكلام على يوم عين أباغ ويوم مرج حليمة، وفي عين أباغ يقول ابن الرعلاء الضبالي:
كم تركنا بالعين عين أباغ … من ملوك وسوقة أكفاء
أمطرتهم سحائب الموت تترى … إن في الموت راحة الأشقياء
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء
[ ٩٦ ]