ولد سنة ٤ وتوفي سنة ١٦ هـ
السيد الشهيد أبو عبد الله الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ: ولد في المدينة المنورة، ونشأ بين عظماء المسلمين وعقلائهم: أديبا عاقلا مفكرا.
قال رسول الله ﷺ: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».
وهو صاحب الفاجعة التي أدمت القلوب وقرحت الأجفان، وأنست الناس أحزانهم، وأبقت في قلوب بني هاشم ومن شايعهم ضغينة لبني أمية لا تنسى أبد الدهر وحسبك أنها ما زالت تغلي في الصدور حتى ضربوا آل أمية ومروان تلك الضربة القاضية فمحوا دولتهم وأزالوا صولتهم حتى لم يبق منهم في بلاد المشرق ديار.
[ ٤٨ ]
وخلاصة الحادثة أنه لما مات معاوية بن أبي سفيان وولي الخلافة ابنه يزيد تخلف الحسين عن مبايعته ورحل إلى مكة في جماعة من أصحابه وافقوه على رأيه فأقام بمكة أشهرا؛ فبلغ أهل الكوفة ذلك، وكان لأبيه علي وأخيه الحسن فيها نصراء وأعوان فكتبوا إليه كتابا يطلبون به حضوره ليبايعوه على الخلافة ويذكرون له أنهم في جيش متهيئ للوثوب فوعدهم بالمسير إليهم، ثم نصحه جماعة من عقلاء قومه أن لا يذهب فأصر على ما ارتأى، وخرج في أسرته ومواليه ورجاله، وهم نحو الثمانين، قاصدا الكوفة، وبلغ يزيد بن معاوية خبره فأرسل إليه جيشا اعترضه في كربلاء، وبعد قتال عنيف نشب بين الفريقين أصيب الحسين بجراح شديدة فسقط عن فرسه فقتلوه. قيل: قاتله سنان بن أنس النخعي، وقيل: الشمر ابن ذي الجوشن، وأرسل رأسه ونساؤه وذراريه إلى يزيد بن معاوية في الشام، فأظهر يزيد حزنه عليه، ولكن ما ينفع الحزن وقد سبق السيف العذل، ونفذ القضاء والقدر.
واختلفوا في الموضع الذي دفن رأس الحسين فيه فقاتل في الشام، وقائل بل دفن مع الجثة في كربلاء، وقائل غير ذلك مما أدى إلى تعدد مراقده وضياع ضريحه الحقيقي بينها.
وكان مقتله، سقاه الله شأبيب رضوانه، يوم الجمعة عاشر محرم، ولا يزال هذا اليوم يوم حزن وكآبة عند جميع المسلمين، اللهم إلا جماعة من جهلة أهل السنة يتباركون به لثبوت صيام النبي المكرم في يوم عاشوراء، وفي طائفة الشيعة أيضا رجال يتجاوزون حد الحزن يقيمون له المآتم ويضربون أنفسهم بالسلاح وبعضهم يمثلون حادث مقتله، كما تمثل الحوادث التاريخية والخيالية على مسارح النوادي، وعقلاء الطائفتين غير راضين عما يفعله هؤلاء الجماعات منهم، أصلحنا الله!
أما خروج الحسين يريد الكوفة بنسائه وأطفاله؛ فقد فسره الفيلسوف الألماني
[ ٤٩ ]
«ماربين» في كتاب له سماه «السياسة الإسلامية» بما لا أرى مناصا من التفكير فيه. قال «ماربين»: «مات الرجلان العظيمان علي ومعاوية وتركا في الصدور أضغانا وجاء ولداهما: الحسين بن علي، ويزيد بن معاوية، والأول طامح، والثاني يراقبه ولا يستطيع البطش به. أما الحسين فلا أعلم في أصحاب الديانات من اختار سياسته المؤثرة؛ فإنه لما وجد قوته وقوة قومه ضعيفة بجانب قوى يزيد فكر في عمل كبير صرح به لقومه، وهو أنه يريد المسير إلى الموت .. وعلى أثر ذلك جمع نساءه وأطفاله وخرج من المدينة فلحق به عدد من أقربائه وأصدقائه .. ليس اختياره أخذ أطفاله إلا لحكمة كان يعلمها ويسعى إليها. أيقن أنه لابد ليزيد من قتله فأراد أن تكون المصيبة عامة، فاستصحب صغاره وهو معتقد أن يزيد سيفتك بهم جميعا، راقه ذلك لأنه علم أن الثورة الهاشمية لا يثيرها على بني أمية إلا دافع مؤثر يثب بالأمة الإسلامية جمعاء وثبة الحزن والإشفاق، وثبة التألم والغضب، وهي الأمنية التي كان يسعى إليها الحسين بأخذ أطفاله وصغاره، ولذلك كان؛ فإنها لم تقع الواقعة حتى نفرت من يزيد قلوب أخصائه، وما بلغت سبايا الحسين مدينة دمشق حتى تهيأت الثورة على يزيد، وما هي إلا أعوام قلائل تركت آل يزيد طعما للسيوف وشيدت على أثرها دعائم الخلافة الهاشمية العباسية .. لم يذكر لنا التاريخ رجلا ألقى بنفسه وأبنائه وأحب الناس إليه، في مهاوي الهلاك والفناء، إحياء لدولة سلبت منه إلا الحسين، ذلك الرجل الكبير الذي عرف كيف يزلزل ملك الأمويين الواسع، ويقلقل أركان سلطانهم».
واستطرد الباحث إلى الكلام على الشيعة مما لا دخل له في بحثنا، وقد نقلت بعض مباحث كتابه إلى الفارسية والعربية، وكان لما فكر به مناصرون ومؤيدون، وهو رأي حسن على علاته؛ فإن الحسين إنما قصد الكوفة وهو واثق بنصرة أهلها، وأخذ أطفاله ونساءه للسكنى بها، ولئن صح تفكير الحسين بذلك ليكون دليلا ثابتا على ما كان يوصف به من سعة العقل وجودة الروية.
[ ٥٠ ]
ولنختم ترجمته بشيء، من كلامه العذب.
قال أكثر مترجميه: خطب الحسين بن علي يوما فقال:
«يا أيها الناس! نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، ولا تحتسبوا المعروف لم تعجلوه، واكتسبوا الحمد بالنجح، ولا تكسبوا بالمطل ذما، واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم، واعلموا أن المعروف يكسب حمدا ويكسب أجرا؛ فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار. أيها الناس: من جاد ساد، ومن بخل ذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإن أعفى الناس من عفا عند قدرته، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، والأصول على مغارسها فروعها تنمو، من أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين».
ومن كلامه: الحلم زينة، والوفاء مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شر، ومجالسة أهل الفسوق ريبة.