ولد سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٩ هـ
علمت كما أسلفناه ما صارت إليه حال الدولة العباسية من الضعف وتحكم الخاملين، مما أدى بها إلى عصيان أمراء البلاد واستقلال كثير من العمال بما كانوا يلون، وانتهى أمرها إلى صاحب هذه الكلمة.
وهو: أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله، وكان محبوسا مع والدته في أيام القاهر فلما خلع أخرج وبويع بالخلافة سنة ٣٢٢ هـ ولقب بالراضي بالله وكان فاضلا أديبا سمحا يحب محادثة الأدباء والفضلاء والجلوس معهم.
وختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة كان يجيد الخطبة على المنبر ويطيلها، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين، وشعره رقيق جيد منه قوله:
[ ١٩٠ ]
يصفر وجهي إذا تأمله … طرفي ويحمر وجهه خجلا
حتى كأن الذي بوجنته … من دم جسمي إليه قد نقلا
وقوله في رثاء أبيه المقتدر:
ولو أن حيا كان قبرا لميت … لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا
ولو أن عمري كان طوع مشيئتي … وساعدني في التقدير قاسمته العمرا
بنفسي ثرى ضاجعت في تربة البلى … لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا
وولي الخلافة فحاول رتق ما فتق أسلافه فلم يستطع، ولكن البلاد زاد اضطرابها واتسع خرقها فكتب إلى محمد بن رائق عامله على واسط والبصرة والأهواز يستقدمه إلى بغداد وقلده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولاه الخراج والدواوين، وذلك سنة ٣٢٤ هـ فاستولى ابن رائق على جميع ما ذكر، وأصبح الحاكم المطلق فتصرف بالأمور والأموال والخليفة الراضي راضي بما وقع لا يملك لنفسه قوة يدفع بها ما أصابه، وتفاقم أمر العمال فلم يبق اسم للخليفة في غير بغداد وأعمالها، فكانت بلاد فارس في أيدي بني بويه، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج [الإخشيدي]، والمغرب وإفريقية في يد أمير المؤمنين القائم بأمر الله العلوي، والأندلس في يد الناصر من ملوك بني أمية، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر ابن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم.
وهكذا تفرقت هذه المملكة وانحلت رابطتها وانفرط عقدها، ولبث الخليفة الراضي يتلهى بمن كانوا يسامرونه وينادمونه من رجال الأدب وأعيان البيان حتى كانت سنة ٣٢٩ هـ فتوفي في بغداد ودفن بالرصافة وخلافته ست سنين وعشرة أيام.
* * *
[ ١٩١ ]
ونودي من بعده باسم أخيه أبي إسحق إبراهيم بن المقتدر ولقب المتقي لله مولده سنة ٢٩٧ هـ وخلافته سنة ٣٢٩ هـ، ودامت خلافته أربع سنين إلا شهرا أو أياما فلم يصنع شيئا إلا أنه تغيرت في أيامه بعض أسماء قواده أو بكلمة أجمع أسماء المسيطرين على الملك الذين كان هو وأشباهه آلة صماء في أيديهم، وكان موصوفا بالصلاح والتقى وفي أيامه قتل محمد بن رائق قتله ناصر الدولة بن حمدان (سنة ٣٣٠ هـ) وفي سنة ٣٣١ هـ تولى إمارة الأمراء تورون (أوطوزون) التركي ثم خافه المتقي على نفسه فخرج في أهله من عاصمته بغداد إلى الموصل ومنها إلى الرقة وتورون يأمر وينهى، وفي سنة ٣٣٣ هـ بعث إلى تورون يستأمنه فأقسم له بالأمان، فركب الفرات حتى إذا وصل السندية قبض عليه تورون وخلعه، وسمل عينيه فعمي، وأتى به إلى بغداد فأقام وهو أعمى حتى مات سنة ٣٥٧ هـ.
* *
وبايع تورون وأصحابه يوم خلع المتقي لأبي القاسم عبد الله المستكفي بالله بن المكتفي بالله بن المعتضد، وكان مستترا فلم تطل مدته غير سنة وأربعة أشهر مات في خلالها تورون (سنة ٣٣٤ هـ) وقدم عليه معز الدولة بن بويه الديلمي والي الأهواز، فخلع عليه المستكفي ولقبه منذ ذلك اليوم معز الدولة ولقب أخاه عليا عماد الدولة، وأخاه الحسن ركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم فعل ذلك كله اتقاء لشرهم وخوفا من بطشهم به، ثم تغير عليه معز الدولة؛ فبينما كان المستكفي جالسا وحوله معز الدولة وبعض الأعيان أقبل رجلان من الديلم فتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فجذباه عن السرير وجعلا عمامته في رقبته وقاداه إلى منزل معز الدولة ثم سحل فعمي وسجن إلى أن مات، وكان مولده سنة ٢٩٦ هـ، وخلافته سنة / ٣٣٣ هـ، وخلعه سنة ٣٣٤ هـ ووفاته سنة ٣٣٨ هـ.
* *
[ ١٩٢ ]
وكان للمقتدر ابن آخر اسمه الفضل وكنيته أبو القاسم يطمع بالخلافة بعد أخيه المتقي؛ فلما خلع أخوه وولي المستكفي خاف الفضل واستتر فطلبه المستكفي فلم يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد انتقل إليه وأغراه بالمستكفي حتى فعل به ما فعل، وقدمه معز الدولة للخلافة فبايعه الناس ولقب المطيع لله وازداد أمر الخلافة العباسية إدبارا في توليته ولم يبق للخلفاء من الأمر شيء البتة وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كانت أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث إن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد.
قال ابن الأثير (في حوادث سنة ٣٣٤ هـ): وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم كانوا يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد أغصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة … إلخ.
وكان مولد المطيع سنة ٣٠١ هـ وخلافته سنة ٣٣٤ هـ، وفي سنة ٣٥٦ هـ مات معز الدولة وقد عهد إلى ابنه بختيار الملقب بعز الدولة فأساء السيرة وزاد أمر الدولة تقهقرا وضعفا ثم مرض المطيع الله وفلج وثقل لسانه، وتعذرت الحركة عليه فدعاه سبكتكين وهو حاجب بختيار إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى ولده ففعل ذلك، واشهد على نفسه بالخلع في أواخر سنة ٣٦٣ هـ بعد أن أقام يدعى بلقب الخليفة تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر ومات بعد شهرين من استقالته وذلك سنة ٣٦٤ هـ.
* *
وعلى أثر خلع المطيع بويع ولده أبو الفضل عبد الكريم ولقب الطائع لله سنة ٣٦٣ هـ، وفي أيامه ثار الأتراك ببختيار لتبديده الأموال وتأخيره مرتباتهم
[ ١٩٣ ]
فكتب إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه يستنصره فدخل عضد الدولة بغداد.
ثم أخرجه بختيار وابنه المرزبان منها، وفي سنة ٣٦٧ هـ طمع عضد الدولة بختيار وأقبل على بغداد فانهزم بختيار منها إلى تكريت فأدركه عضد الدولة وأسره ثم قتله وعاد إلى بغداد فعمر منها ما خربته وفرق الأموال وأجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والشعراء والأطباء والمهندسين، وزوج ابنته للطائع ليكون لها عقب منه وتكون الخلافة فيهم، ثم مات عضد الدولة سنة ٣٧٢ هـ فقام مقامه ابنه بهاء الدولة.
وفي سنة ٣٨١ هـ قبض بهاء الدولة على الطائع وحبسه في داره وأشهد عليه بالخلع ونهب دار الخلافة، ومولد الطائع سنة ٣١٥ هـ وولي سنة ٣٦٣ هـ. وخلع سنة ٣٨١ هـ ومات سنة ٣٩٣ هـ.