مات سنة ٣٠٤ ق. هـ
ما برحت الآثار الشاخصة والأطلال البالية تذكر رأيها بيانيها وتدل مشاهدها على شائدها، فإن علماء البلدان وأصحاب الرحلات المولعين بالأسفار والبحث عن الآثار كلما مر واحد منهم بتلك الأخربة المبعثرة في ذلك المكان
[ ٨٢ ]
الماثل بين الكوفة والقادسية استوقفه منظرها طويلا فنقب وبحث ثم كتب ما لاح له، فأما ياقوت فثبت عنده أن مجاوري ذلك الموضع كانوا يسمونه في عصره «طيز ناباذ» وسبقه إلى بيان ذلك المؤرخ البلاذري، واتفقا على أن اسمه الأول «ضيز ناباذ»، ولكن مجاوريه الفرس حرفوا الضاد طاء؛ لأن لغتهم خالية من الضاد، وقالا: ضيز ناباذ مؤلفة من كلمتين «ضيزن» وهو اسم بانيها و«أباذ» ومعناها بالفارسية العمارة فتكون ترجمتها «عمارة ضيزن»، وحرفتها العامة في العهد الأخير فقالت: «طعيريزات»، وهو اسمها الشائع اليوم على ما جاء في مجلة لغة العرب البغدادية، ص ٣١٩، وربما قالوا العريسات، كما جاء بها أيضا في مواضع مختلفة، وهي كما في معجم البلدان تبعد عن القادسية في جادة الحاج مسافة ميل، وكانت في صدر الإسلام من أنزه المواضع محفوفة بالكروم والشجر والحانات والمعاصر مقصودة للهو والبطالة، وفي القرن السادس كانت خرابا ولم يبق بها إلا أثر قباب كانوا يسمونها «قباب أبي نواس» لأبيات نظمها أبو نواس فيها أوردها ياقوت (ج ٦، ص ٧٩)، وهي اليوم آثار أبنية في تلال وهضاب.
أما مشيد دعائمها والمنسوبة إليه فهو صاحب هذه الترجمة: الضيزن بن معاوية بن الإحرام (أو الأجرام) بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (كذا نسبه في كتابي المعجم والفتوح رواية عن الكلبي)، وكان ملكا مذكورا بالبأس والمنعة تخشاه أقيال العرب وملوكها، فكانوا يهادونه ويسالمونه خوفا من بطشه، وكان قد ملك الجزيرة إلى الشام، والعرب في ذلك العهد، كما تدلك كتب الثقاة من مؤرخيهم، كانوا بين جاذبين سياسيين قويين:
أحدهما دولة الفرس وهي لا تألو جهدا في تقريب من داناها من أمراء القبائل وملوك العشائر فتنعم عليهم وتحسن إليهم ثم تطلقهم في بلاد الروم يعيثون بها فسادا ويقلقون سكانها، والثاني الروم، يصنعون صنيع الفرس، حذوك النعل بالنعل وكان الضيزن مشايعا للروم متحيزا إليهم يغير رجاله على العراق
[ ٨٣ ]
والسواد، وذلك في أيام كسرى سابور ذي الأكتاف وهو من بغاة الأكاسرة وأشدهم عداوة للعرب، فجمع جيشا كبيرا وزحف به إلى بلاد الجزيرة حتى بلغ «الحضر» وهو بناء بناه الضيزن، أو مدينة له فيها حصن، فلجأ الضيزن إلى الحصن، وأقام سابور مدة لا يرشد إلى فتحه وزعموا أنه كان للضيزن بنت تدعى «النضيرة» رأت سابور فأحبته وراسلته، ثم مهدت له سبيل دخول الحصن، فدخله، وقتل الضيزن، وانتهبه وأمر بهدمه، ولعله هو «أخو الحضر» الذي أراده صاحب القصيدة المشهورة وهو عدي بن زيد بقوله:
[أين] كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الـ … ـروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … ـلة تجبي إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ … ـسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور