ولد سنة ٣٣٦ هـ وتوفي سنة ٤٢٢ هـ
لقد هزلت دولة بني العباس حتى استامها الديلم والأتراك وضعفت قوى ملوكها حتى طمع بها المتغلبون وامتدت إليها الأيدي وانصرفت نحوها وجوه الطامعين وأصبح بهاء الدولة بن عضد الدولة الديلمي بعد أن خلع الخليفة الطائع حاكما مطلقا لا يد تعلو يده، غير أنه خاف ثورة الجند إذا علموه قد استقل بالملك فلم ير إلا أن ينصب في مقام الخلافة رجلا يكون له مطيعا ولأمره سميعا فشاور خاصته في الأمر فاتفقوا على: أبي العباس أحمد بن إسحق بن المقتدر بن المعتضد، وكان بالبطيحة (وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة)؛ فأرسل إليه بهاء الدولة خواص أصحابه فقدموا عليه وأخبروه فركب وأتى بغداد فبايعه الناس، وخطب له في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ، ولقب القادر بالله، فأقام بضعة أشهر
[ ١٩٤ ]
ينظر في أمور الدولة ويبحث عن أسباب وهنها، ثم طلب الخليفة المخلوع الطائع الله فسلمه إليه بهاء الدولة وكان قد سجنه في منزل منفرد، فأكرمه القادر بالله وأنزله في حجرة من أفضل حجره ووكل به من يقوم بخدمته وحسن ضيافته بحيث لم يختلف أمره بين خلافته وخلعه إلا بالخطبة له.
وطالت أيام القادر، وكان حازما مطاعا فألقى الله هيبته في القلوب فأطاعه الذين كانت لهم السيطرة والغلبة على الخلفاء أحسن إطاعة وكان موصوفا بالحلم والكرم وحب الخير والبعد عن الشر إلا فيما يتعلق بالأمور السياسية فأحبه الناس وصفا له الملك، وأصلح من شؤون الدولة ما استطاع إلى إصلاحه سبيلا وحسبه أنه كف عنها آمال المشرئبين بأعناقهم إلى التسلط والتملك عليها، وكان محبا للعلم فاضلا في نفسه، وقد ألف كتابا في اعتقاد أهل السنة، فقد مع فقد من قديم الكتب وحديثها، وكان الخليفة القادر كثيرا ما يلبس لباس العامة ويخرج يتجول في دار السلام يزور قبور الصالحين ويتفقد أمور الأمة.
ودامت له الخلافة إحدى وأربعين سنة وتوفي ببغداد عن سبع وثمانين سنة إلا شهرين، ومات في أيامه بهاء الدولة (سنة ٤٠١ هـ)، وانتهى أمر رئاسة الأمراء إلى ابنه أبي طاهر جلال الدولة، وتوفي الخليفة في أيامه بعد أن عهد بالملك من بعده إلى ولده الذي لقب القائم بأمر الله الآتي خبره.