ولد سنة ٥٨٨ هـ وتوفي سنة ٦٥٦ هـ
أتى على الدولة العباسية حين من الدهر كان فيه الخليفة يقنع بامتلاك دار السلام عاصمة ملكه فلا يرى إلى تلك الأمنية من سبيل، ذلك بعد أن ملكوا البلاد وسادوا العباد وامتدت سلطتهم وعظمت سلطنتهم، ولكن الدول في رأي بعض الباحثين من علماء الاجتماع كالأناسي إذا أدركها الهرم لم تنجع في دائها الأدواء، قال ابن خلدون: «.. وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل .. وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع
[ ٢٠٥ ]
عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء».
انتهى أمر الخلفاء العباسيين إلى السابع والثلاثين منهم وهو آخرهم في القطر العراقي، أبو أحمد عبد الله ولقبه المستعصم بالله بن المستنصر بالله، بويع بعد وفاة أبيه باتفاق آراء رجال الدولة ووزرائها عليه (سنة ٦٤٠ هـ)، فلما ولي الخلافة كان مثال الضعف والوهن والانقياد إلى اللهو والعكوف على الدد فألقى زمام الملك إلى الأمراء والقواد واعتمد في أكثر الشؤون على وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي، وكان يتشيع للعلويين، وقد علمت من ترجمة المستنصر السابقة أن المغول عظم أمرهم وخيف شرهم فأشار بعض الناجمين على المستعصم أن يتخذ الحيطة لدرء هجماتهم وأن يعد جيشا يقوى به عليهم فغلبت عليه غفلته فقال: «إن هؤلاء لا يطمعون بإخراجي من دار ملكي وهم يكتفون مني بأن أترك لهم البلاد ويدعوا لي بغداد وهي تكفيني!».
واتفق أن فتنة حدثت في بغداد بين رجال السنة والشيعة العلويين وهذا مرض قديم في الإسلام ولد منذ توفى الله نبيه محمدا ﷺ وانحاز فريق من أهل الإسلام يرون أن عليا أجدر بالخلافة بعد ابن عمه ثم اتسع ذلك الخرق بعد زمن فكان في المسلمين الداء الذي لا يحسم والعلة التي لا تشفى وهو حتى اليوم سبب تأخر المسلمين الأعظم، وعلة تفرقهم، ومنشأ نزاعهم، وحكماء الفريقين دائبون على إصلاح ذات البين ولا أراهم يوفقون إليه إلا بعد أن لا يبقى غير الندم والأمل الأكبر بزوال تلك الشنشنة معقود بناصية دور العلم الحديث والفنون فإذا اشتغل فيهما المسلمون وعرفوا حقائق الأديان وسبروا أغوار السياسة والاجتماع كان لهم من أنفسهم زاجر ولكنني أقول:
فيا دارها بالخيف إن مزارها … قريب ولكن دون ذلك أهوال
[ ٢٠٦ ]
وجارت السنة في هذه الفتنة على إخوانها من الشيعة فانتهبت بيوتها وسفكت دماءها وذلك بتحريض أبي بكر ابن الخليفة وبعض الأمراء الكارهين لابن العلقمي الوزير، وظهر من الخليفة ضعف أو إغضاء، آثار في قلب وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي مراجل حقد كانت كامنة وحزن لما أصاب إخوانه الشيعة من الكوارث فكتب إلى قائد المغول وهو هولاكو حفيد جنكيز خان يعلمه بضعف الخليفة ويهون عليه أمر احتلال بغداد ويعده بالإعانة على خليفته، فزحف هولاكو بخيله ورحله يقود جيشا عرمرما من التتر، وذلك سنة ٦٥٥ هـ، وخرجت إليه عساكر الخليفة ثم انهزمت ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي وانتشر عسكره في جميع جهاتها، فقدم عليه الوزير ابن العلقمي فتوثق منه لنفسه وعاد إلى الخليفة المستعصم، وقال: إن هولاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر وحسن له الخروج إلى هولاكو فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمته ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون والعلماء فلما تكاملوا أمر بهم هولاكو فأحاطت فيه العساكر وقتلوا عن آخرهم، وأبقى الخليفة حيا حتى دلهم على مواضع الأموال والدفائن ثم قتلوه ودخلوا بغداد فأعملوا السيف فيها فدام القتل بها والنهب نحو أربعين يوما وأحرق وأغرق ما فيها من كتب العلم والتاريخ وهدم كثير من الأبنية الشامخة والقصور العامرة ثم نودي بالأمان.
وبموت الخليفة المستعصم بالله انقرضت الدولة العباسية في العراق وعدة خلفائها ٣٧ خليفة ومدة ملكهم من سنة ١٣٢ هـ إلى موت المستعصم سنة ٦٥٦ هـ، ودام لهم الملك يصفو ويكدر ٥٢٤ سنة، والملك لله يؤتيه من يشاء.
[ ٢٠٧ ]