ولد سنة ٥٨٨ هـ وتوفي سنة ٦٤٩ هـ
البنيان أفضل ما خلد به الذكر، ولا سيما إذا كان أثرا نافعا كمدينة أو مدرسة فخمة أو بناء عظيم يأوي إليه المحاويج أو مستشفى يطيب فيه أصحاب العاهات والأمراض أو ما ضارعه من الأبنية النافعة وحسبك من أدلتنا أن صاحب هذه الترجمة وهو أبو جعفر المنصور بن الظاهر بن الناصر الملقب بالمستنصر بالله عاش كغيره من الخلفاء أو كالمحسنين منهم لأنه كان عاقلا عادلا محبا للحق، ولكنهم إذا كرت الأجيال وأنكرت الأطلال الرجال ذهب ذكر أولئك الخلفاء وبقيت آثار مدرسة عظيمة أقيمت في بغداد، ودعيت المستنصرية فهي ترشد الأمم التالية إلى بانيها كما ترشد آثار سامراء إلى المعتصم وكما أرشدت أطلال نينوي إلى حمورابي، والمستنصرية هذه مدرسة كبيرة من أشهر مدارس
[ ٢٠٤ ]
الإسلام بناها في بغداد مترجمنا المستنصر بالله على شط دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة، وجعل عليها من الأوقاف شيئا كثيرا وأقام لها الأطباء والصيادلة حتى ظهرت في أبهر حلة من الاتساع والزخرفة وما فيها من رجال العلوم الدينية والفنون الدنيوية وهي اليوم مهملة تكاد تعفو آثارها وقد أصبح قسم منها دارا للمكس وآخر مطبخا وآخر قهوة تعرف بقهوة الشط.
كانت سيرة المستنصر حميدة كسيرة أبيه، وكان جده الناصر يحبه ويسميه القاضي لوفرة عقله، ولكن ما ينفع العقل والفضل والأعمال منتقضة والدولة ذاهبة إلى الخراب، وفي أيامه قويت شوكة قبيلة المغول التترية (وعلا شأنها بظهور جنكيز خان سنة ٥٩٩ هـ، وأصلها من جنوبي سيبريا) فاستولوا على كثير من المملكة الإسلامية حتى أوشكوا يدخلون بغداد في عهده إلا أنهم دفعوا عنها، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة إلا شهرا وإقامته بغداد وفيها توفي ودفن.