ولد سنة ١٧٩ هـ وتوفي سنة ٢٢٧ هـ
لم يكن أبو إسحق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي من حملة العلم أو ناشري لواء العرفان، ولكنه اشتهر في ملوك بني العباس بما أحرزه من قوة البأس والشجاعة والإقدام فقد كان خارقة زمنه في قوة الساعد ومتانة الأضلاع، يكسر زند الرجل بين إصبعيه، ويحمل عشرة قناطير، ولا تعمل في جسمه الأسنان، وكان في صغره يكره التعلم وضعه والده الرشيد مع مملوك له صغير عند أحد المؤدبين فمات مملوكه فلما رأى أباه تأوه فجعل أبوه يسليه عن المملوك وهو يحسب أنه حزين عليه فقال: لا يا أبي أنا لا أتأوه لموته، ولكني سررت له لأنه استراح من التعليم! فعلم أبوه أنه لن يكون من رجال العلم فأعفاه منه فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أميا.
وهو فاتح عمورية من بلاد الروم في غلاطية، وذلك أنه كان في أحد أيام سنة ٢٢٣ هـ جالسا يتناول كأسا من الشراب، وإذا برجل دخل عليه فحدثه أن امرأة هاشمية سباها أحد ملوك الروم ووضعها في عمورية فلطمها يوما فصاحت: وامعتصماه! فهزئ بها الرومي وقال: دعيه يأتي على فرس أبلق، فنهض المعتصم فختم الكأس وقال: والله لأشربته إلا بعد إطلاقها والتفريج عنها، ونادى رجاله أن يركبوا الخيول البلق فسار في سبعين ألف فارس حتى بلغ عمورية فحاصرها ثم هدمها ودخل على الأسيرة وهو يقول: لبيك لبيك، ثم ضرب عنق الرومي بيده ودعا بالكأس ففك ختامها وشربها.
وهو باني مدينة سامراء حين ضاقت بغداد بجنده فخططها وأمرهم بسكناها فدعيت «سر من رأى» ثم حرفت فقالوا: «سامراء، وسامرا، وسر من را، وسرمن راء» - راجع معجم البلدان.
[ ١٨١ ]
ولقبه بعض المؤرخين «بالمثمن»؛ لأنه ولي سنة ٢١٨ هـ وتوفي ثامن عشر رمضان، وعمره ثمان وأربعون سنة، وهو ثامن الخلفاء من بني العباس، وفتح ثمانية فتوح، واستخلف ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف ثمانية بنين وثماني بنات، وخلف من الذهب ثمانين مليون دينار ومن الدراهم مئة وثمانين مليونا، ومن الخيل ثمانين ألف فرس، ومن المماليك ثمانية آلاف، ومن الجواري ثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور؛ وقد ذكر هذا الاتفاق في كثير من مصنفات التاريخ وهو إن صح من غريب الموافقات.
وهو أول من أضاف إلى اسمه اسم الله تعالى فقيل: «المعتصم بالله»، وكانت وفاته بسامراء ودفن بها، ومن كلامه:
إذا نصر الهوى بطل الرأي، وذكر التيه عنده فقال: حظ صاحبه من الله المقت ومن الناس اللعن، ولما احتضر قال: ذهبت الحيلة، وذكرها حتى صمت، وكان موصوفا بلين العريكة وطيب الأخلاق، عهد بالخلافة إلى ابنه الواثق بالله.
ولما مات ولي ابنه أبو جعفر الواثق بالله واسمه هارون بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد وكان كريما أديبا، أصيب بعلة الاستسقاء فمات بها: مولده سنة ٢٠٠ هـ وخلافته سنة ٢٢٧ هـ ووفاته سنة ٢٣٢ هـ، وكانت في زمنه أمور غير ذات بال فهو غير جدير بالترجمة الواسعة.
ومثله أخوه المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ولد سنة ٢٠٦ هـ وبويع بعد وفاة أخيه الواثق سنة ٢٣٢ هـ وقتل سنة ٢٤٧ هـ طالت مدته فلم يحدث بها ما يجعله في طبقة عظماء الملوك ولكنه كان يحب العمران فبنى «المتوكلية» وأنفق عليها أموالا كثيرة، وأراد نقل العاصمة العباسية من بغداد إلى دمشق، فأقام بها شهرين وأياما فلم يطب له مناخها فعاد إلى سامراء، وكان يلبس في زمن الورد الثياب الحمر ويأمر بالفرش الحمر، ولا يرى الورد إلا في مجلسه، وكان يقول:
[ ١٨٢ ]
أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين وكل منا أولى بصاحبه.
وكثرت الزلازل في أيامه فخرت أماكن كثيرة فعمر بعضها.
وقتله غلام تركي اسمه باغر بإيعاز من ابنه المنتصر، فدفن في سامراء.
وولي بعده ابنه المستنصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله بن المعتصم: مولده سنة ٢٢٣ هـ وخلافته بعد أبيه المتوكل سنة ٢٤٧ هـ ومات بسامراء سنة ٢٤٨ هـ، لم تطل مدته غير ستة أشهر، وكان حليما عاقلا غزير المعروف راغبا في الخير إلا أنه قويت في أيامه سلطة الغلمان فحرضوه على خلع أخويه المعتز والمؤيد وكانا ولي عهده فخلعهما وأهانهما فعاش أشهرا.
وقيل: مات مسموما بمبضع أحد أطبائه، توفي بسامراء ومولده بها، قال ابن الأثير: وهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره، وكانوا لا يحفلون بقبور موتاهم.
وكان قواد الأتراك قد تحكموا بالدولة والأموال فلم يرق لهم أن يجعلوا الخلافة في أبناء المتوكل وهم قاتلوه، فلما مات المستنصر اتفقوا على مبايعة أحمد بن محمد بن المعتصم ولقبوه المستعين بالله فولوه الخلافة فلم يكن له منها غير اسمه وكثرت فتن الغلمان المتسلطين في زمانه، وكان مولده بسامراء سنة ٢٢١ هـ، وولي الخلافة الموهومة سنة ٢٤٨ هـ ونقم عليه قواده الأتراك فخلعوه سنة ٢٥٢ هـ، ثم قتلوه في هذه السنة بواسط.
وبايعوا بعده المعتز بالله بن المتوكل وكان في سجن المستعين فأخرجوه وولوه سنة ٢٥٢ هـ ومولده سنة ٢٣١ هـ فلم يكن له من الملك إلا الزخرف الباطل، ولبث وليس في يده عقد ولا حل إلى سنة ٢٥٥ هـ فجاؤوه فطلبوا مالا لا يملكه المعتز فانزلوا مقداره إلى خمسين ألف دينار، وكانت أم المعتز قد قبضت على أمواله فسألها أن تعطيه ما يرضيهم فامتنعت فدخلوا عليه فضربوه، فخلع
[ ١٨٣ ]
نفسه فسلموه إلى من يعذبه، فمات بعد أيام، وذلك سنة ٢٥٥ هـ، وكان فصيحا وله خطبة ذكرها ابن الأثير في حوادث هذه السنة.
وفي اليوم الثاني من خلع المعتز أسندوا منصب الخلافة إلى محمد ابن الواثق ولقبوه المهتدى بالله وكان يكنى أبا عبد الله، فلم يقبل بيعته أحد فأتي بالمعتز فخلع نفسه أمام الناس وأقر بالعجز عما أسند إليه، وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق فبايعه الخاصة والعامة مولده في القاطول سنة ٢٢٢ هـ، وخلافته سنة ٢٥٥ هـ، فكان كأسلافه وأقرب الخلفاء عهدا منه، ولكنه أخذته في آخر أيامه حمية القوي المستضعف فخرج لقتال جمع من الأتراك كان قد أعلن العصيان فلما تقابل الفريقان خانه من كان معه من الأتراك، وانضموا إلى أصحابهم فبقي المهتدي وحده وتخلى عنه أنصاره فولى منهزما وبيده السيف وهو ينادي يا معشر المسلمين أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة، وأصيب بطعنة فمات على أثرها سنة ٢٥٦ هـ في بغداد ومدة خلافته أحد عشر شهرا ونصف، وكان محمود السيرة يأخذ أخذ عمر بن عبد العزيز في الصلاح وإطراح الملاهي وتحريم الغناء والشراب على نفسه ومنع أصحابه وخاصته عن الظلم ومن كلامه:
عاون على الخير تسلم ولا تؤخره تندم.
وقبل قتل المهتدي بيومين بويع بالخلافة أبو العباس أحمد بن جعفر المتوكل، وكان محبوسا بالجوسق في سامراء فأطلقت الأتراك سراحه وبايعوه ولقبوه المعتمد على الله فاستولى على مراسم الخلافة وزخارف الإمارة وهو يعتقد أنه سيدخلها ويخرج منها، لا عليه ولا له، آلة تديرها قوة فتدار، مولده سنة ٢٢٩ هـ وخلافته سنة ٢٥٦ هـ وطالت أيام ملكه وظهر فيه الضعف والعجز عن إدارة الشؤون والتفكير في الأمور فاتجه أخوه أبو أحمد الموفق بالله وأعانه على
[ ١٨٤ ]
بعض العصاة وكفت يد المعتمد عن كل قول وعمل، حتى إنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاث مئة دينار فلم ينلها، فقال في ذلك:
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجبي إليه
وكان الخلفاء من قبله يقيمون في سامراء فانتقل المعتمد منها إلى بغداد، ولم يعد إليها أحد من بعده، وكانت في أيامه شؤون وشجون تجد الكلام عليها في تصانيف الأخبار.
ومات المعتمد سنة ٢٧٩ هـ ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر، ومات أخوه الموفق في السنة التي قبلها، وكانت ولاية العهد للمعتضد الآتي خبره.