ولد سنة ٢٤٢ هـ وتوفي سنة ٢٨٩ هـ
مضى الكلام فيما أسلفنا على عدد كثير من خلفاء بني العباس لم يكونوا من نباهة الذكر وجلالة القدر وارتفاع الشأن بحيث يقرنون مع أسلافهم الأولين كالمنصور والرشيد والمأمون، وجاء في عرض كلامنا إشارات واضحة إلى أن أولئك الخلفاء كانوا موثقين عن العمل غير مطلقين، ومسيرين غير مخيرين، لعبت بهم طوائف الغلمان والمماليك حتى استولت على عقولهم ثم على أموالهم وانتهت إلى التحكم بهم واجتياز تدبير المملكة دونهم فإذا المال في خزائنهم، والرجال طوع أيديهم، والبلاد منقادة لهم فاستراح ضعفاء الخلفاء، بحيث يتعب العظماء، واستمر الأمر جاريا في منهاجه حتى قضى على هذه
[ ١٨٥ ]
الدولة العباسية بعجز ملوكها وخور عزائمهم وهو الذي قوض بعد ذلك أركانها وهدم بنيانها وزلزل سلطانها وفرق أعوانها، وكان حسب الرجل العظيم منهم أن يستميل بعض أولئك الدخلاء إليه ويجعل لكلمته بعض النفوذ ولقوته بعض التأثير كما كان شأن صاحب هذه الترجمة وأبيه من قبله وإليك طرفا من حديثهما:
لما تولى المعتمد (سنة ٢٥٦ هـ) وهو الخليفة المتقدم ذكره أراد أن ينهض بأعباء الملك فأثقلته فلجأ إلى أخيه أبي أحمد طلحة بن المتوكل فعهد إليه بالخلافة ولقبه الموفق بالله واستعان به على أعدائه فكان الموفق من كبار الرجال صد عن أخيه المعتمد غارات الطامعين بملكه، ولكنه اختص بأمور المملكة نفسه وحجر على المعتمد حتى كان يتمنى الشيء اليسير فلا يناله، وكان الموفق شجاعا كثير الحروب موفقا في جميع أعماله، عادلا حسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم فينتصف الناس بعضهم من بعض، وهو عالم بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وأخباره مستطابة (راجع الكامل جـ/ ٧)، ولم تخدم الموفق السعادة فيتولى الخلافة اسما كما تولاها فعلا فإنه توفي في أيام أخيه المعتمد بعلة النقرس سنة ٢٧٨ هـ ودفن ببغداد، ولما مات الموفق بايع القواد بولاية العهد بعد المفوض [إلى الله] بن المعتمد للمعتضد بالله أحمد ابن الموفق.
وفي مبدأ سنة ٢٧٩ هـ خلع المعتمد على الله ابنه جعفر الملقب بالمفوض إلى الله من ولاية العهد وعهد بالخلافة من بعده للمعتضد ابن أخيه الموفق، فأسقط اسم المفوض من السكة والخطبة وأثبت اسم المعتضد وهو صاحب هذه الترجمة:
أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله طلحة بن المتوكل: ولد ببغداد ونشأ بها، فكان عضد أبيه الموفق وساعده في حياته أيام خلافة
[ ١٨٦ ]
المعتمد وأظهر بسالة ودراية في حروبه مع الزنج والأعراب وهو في سن الشباب وبويع بالخلافة بعد وفاة عمه المعتمد سنة ٢٧٩ هـ: فحل عن بني العباس عقدة المتغلبين وظهر بمظهر الخلفاء العاملين، ثم جعل يتوجه بنفسه إلى المفسدين في البلاد وأصحاب الشعب فيقمع ثائرتهم ويفرق عصبتهم ويعود ظافرا فاخرا.
قال ابن الأثير: «وكان المعتضد شهما شجاعا مقداما، وكان ذا عزم مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه».
وكانوا يقولون: قامت الدولة بأبي العباس وجددت بأبي العباس، يريدون بالأول السفاح وبالثاني المعتضد، قال ابن الرومي:
هنيئا بني العباس أن إمامكم … إمام الهدى والجود والناس أحمد
كما بأبي العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
وكان المعتضد عارفا بالأدب والشعر، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (ج ١، ص ٢٠٣ من طبعة باريس): «كان أبو بكر المعروف بابن العلاف النهرواني الشاعر ينادم الإمام المعتضد بالله قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه فأتانا خادم ليلا فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى … إذا الدار قفرى والمزار بعيد
وقد أرتج علي تمامه فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي … لعل خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت وأمر لك بجائزة» .. والمعتضد ممن اتصف بالحلم العجيب، نقل صاحب تاريخ دول
[ ١٨٧ ]
الإسلام (ج ١، ص ١٢٨) عن أحد وزراء المعتضد عبد الله بن سليمان قال: كنت عند المعتضد يوما، وخادم بيده المذبة (المروحة)، إذ ضربت قلنسوة المعتضد، فسقطت، فكدت أختلط إعظاما للحال، ولم يتغير المعتضد، وقال: هذا الغلام قد نعس، ولم ينكر عليه، فقبلت الأرض وقلت: والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا، ولا ظننت أن حلمه يسعه، فقال: وهل يجوز غير هذا؟ أنا أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف، والإنكار لا يكون إلا على [المتعمد] دون الساهي الخاطئ، ولم يكن حلمه فيما يحسن به الحلم دونه شدته فيما تجب به الشدة؛ فإنه كان صارم العقوبة اتخذ للمجرمين وذوي المفاسد مطامير تحت الأرض، (وهي حفائر كانت تخبأ فيها الحبوب)، فجعل يزجهم بها ولما مات وولي ابنه المكتفي أمر بهدمها، ومرض المعتضد في بغداد فجدد البيعة لابنه المكتفي بالله ومات بها ومدة خلافته تسع سنين وتسعة أشهر، ونصف شهر إلا يومين.
مات المعتضد، وابنه أبو محمد علي الملقب بالمكتفي بالله في الرقة فلما جاءه الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، وقدم بغداد فاستلم زمام الملك فقام به قياما حسنا وظفر في أكثر ما كان بينه وبين العصاة والثائرين من الوقائع، مولده سنة ٢٦٣ هـ وخلافته سنة ٢٨٩ هـ ووفاته سنة ٢٩٥ هـ، وعاصمته بغداد مقر آبائه وهو:
المكتفي بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، مرض وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره وطال مرضه فعهد بالخلافة إلى أخيه جعفر المقتدر، ومات ومدة حكمه ستة سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، ولم يكن كأبيه.
وبويع أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالخلافة ولقب نفسه المقتدر بالله بعد وفاة أخيه المكتفي، وكان صغير السن لا يتجاوز الثالثة عشرة فاستصغر وتكلم الناس في أمره فخلعوه.
[ ١٨٨ ]
وولوا أبا العباس عبد الله بن المعتز بالله ولقب بالمرتضى بالله ثم خذله أصحابه وهجم عليه بعض غلمان المقتدر فانهزم واختفى ثم عثروا عليه فقتل وستأتي ترجمته في ديوان الشعراء.
وصفا الملك للمقتدر وطالت أيامه على ما ضمت من الفتن والمحن وكان يستعين في أكثر شؤونه بخادم له يدعى مؤنسا، فبلغ هذا الخادم أن الخليفة يريد به الشر فأعلن عصيانه فأرسل إليه المقتدر يحلف له أن ما بلغه كذب فعاد إلى الطاعة، ثم نكث وجمع أنصاره ودخل بهم دار المقتدر فأخرجوا المقتدر وأمه وأولاده وخواص جواريه من دار الخلافة إلى دار مؤنس فاعتقلوا بها. وبايعوا أخاه المقتدر وهو القاهر بالله محمد بن المعتضد فاستخلف يومين ثم ثارت فرقة من الجيش تعرف بالرجالة فقتلت بعض رؤساء الغلمان ودعت بالخلافة للمقتدر فأعيد إلى الملك ثانية وخرج مؤنس من بغداد وقد علم أن قلب الخليفة لن يصفو عليه فاجتمعت عليه العساكر والغلمان وقصد الموصل فاحتلها، ثم سار بمن معه يريد بغداد فخرج له المقتدر بعسكره فانهزم أصحاب المقتدر وبقي منفردا فرآه جماعة من المغاربة فقتلوه وسلبوه ثيابه وزينته، ثم دفن في موضعه، وكان مولده سنة ٢٨٢ هـ وخلافته سنة ٢٩٥ هـ وخلع بابن المعتز سنة ٢٩٦ هـ، وأعيد بها ثم خلع ثانية بالقاهر سنة ٣١٧ هـ، وأعيد فقتله بعض أصحاب خادمه مؤنس الملقب بالمظفر سنة ٣٢٠ هـ، وكان المقتدر ضعيفا في إرادته وقوته وسياسته فاستولى على الملك خدمه ونساؤه وخاصته وكان مبذرا كثير الإنفاق على البذخ والجواري والندماء مضياعا لماله، والبون شاسع بينه وبين أبيه المعتضد: ذاك أعاد للدولة العباسية شأنها، وهذا هدم ركنها، وقد أطلنا في هذه الكلمة عليه وكان يجدر بناء إغفاله؛ لأنه لا يدخل في رجال هذا الكتاب ضعفاء الرجال وصغارهم.
قر الرأي بعد المقتدر على إعادة أخيه لأبيه محمد بن المعتضد الملقب
[ ١٨٩ ]
بالقاهر فلما ولي ساء السياسة فأحضر أم المقتدر وطلب منها أموال ابنها فأقسمت له أنها لا تملك غير ما في منزلها من متاع الزينة والثياب والأثاث فضربها وعذبها وصادر جميع أصحاب المقتدر وباع أملاكهم وأوقافهم وبلغه أن بعض وزرائه ساءهم ما صنع فهم يتآمرون عليه فقتل مؤنسا، وعلي بن بليق وأباه، وطلب ابن مقلة، وكلهم من خاصته، فاختفى وهيج عليه الجند فزحفوا إلى دار الخلافة ببغداد فاستيقظ القاهر، وفر فقبضوا عليه، وحبسوه وسحلت عيناه فبقي أعمى لا يبصر إلى أن مات، ومولده سنة ٢٨٧ هـ وخلافته الثانية سنة ٣٢٠ هـ وخلعه سنة ٣٢٢ هـ ومدة حكمه سنة وسبعة أشهر ووفاته سنة ٣٢٢ هـ.