مات نحو سنة ٦٤ ق. هـ
المنذر بن امرئ القيس اللخمي: أحد ملوك الحيرة وما بينها من جهات العراق وهو من أعظم رجال هذه الطائفة المالكة ومن كبار مشاهيرها ومغاويرها، أمه ماء
[ ٩٠ ]
السماء أخت كليب وائل؛ السابق ذكره، وكان المنذر ينتخي بها في بعض حروبه فيقول: أنا ابن ماء السماء! فنسب لها، وقيل: لأنها كانت جميلة، وصاحب هذه الترجمة هو المنذر الثالث: ولي ملك الحيرة بعد أبيه سنة ١١٠ ق. هـ، وذلك من قبل ملوك الأعاجم وملكهم المعاصر له كسرى قباذ: وفي أيامه ظهر مزدك الفارسي ينشر مذهب الزندقة فاختاره قباذ على المجوسية ودعا إليه المنذر بن ماء السماء وهو نائبه على العرب فأبى المنذر متابعته، فأضمر له قباذ حقدا، وكان قد اشتهر في زمنه ملك من ملوك العرب يدعى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: منازله في نجد، وهو من بسل الأمراء وذوي النجدة منهم، وسيأتي ذكره في الكلام على ابنه امرئ القيس الشاعر. فدخل الحارث هذا في مذهب مزدك وهجر الأوثان وبلغ ذلك ملك العجم قباذ فسر وطرد المنذر من ملك العراق وولى مكانه الحارث، فدام للحارث الملك حتى مات قباذ وتولى مملكة فارس كسرى أنو شروان المعروف بالملك العادل، وذلك سنة ٩٣ ق. هـ، وكان كارها للزندقة وأشياعها فقتل مزدك الزنديق وأصحابه وطرد الحارث الكندي وأعاد المنذر بن ماء السماء، فدام ملك العراق في بني لخم حتى جاء الإسلام.
والمنذر هذا هو باني الغريين وصاحب يومي البؤس والنعيم، وذلك في رواية الأغاني، وأمالي القالي، ومعجم ياقوت، وكامل ابن الأثير، وقال الجاحظ في المحاسن والأضداد، وابن قتيبة في الشعر والشعراء والمعارف، والجوهري في الصحاح، والزبيدي في التاج، بل هو النعمان بن المنذر الآتي ذكره، هذا خلاف المؤرخين فاختر أحد القولين.
والغريان: بناءان في ظاهر الكوفة دفن فيهما رجلان كانا ينادمان المنذر وهما: خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود الأسديان، غضب عليهما يوما وهم يشربون فأمر بهما فقتلا، فلما أصبح وصحا سأل عنهما فأخبر بما كان فندم وأمر أن يبنى عليهما طربالان ليعرفا بهما، وجعل لنفسه في كل سنة يومين أحدهما للبؤس
[ ٩١ ]
والثاني للنعيم؛ فكان يضع سريره بينهما، فأول من يظهر له في يوم بؤسه يذبحه ويطلي الغرين بدمه، وأول من يراه في يوم النعيم يمنحه مئة من الإبل ويغدق عليه إحسانه، وظهر له في أحد أيام بؤسه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وافدا عليه رجاء خيره ولم يكن داريا بذلك اليوم فتردد فيه المنذر ثم قتله (انظر ترجمة عبيد في ديوان الشعراء).
وما زال على تلك الحال حتى أتاه في يوم بؤس حنظلة بن أبي عفراء الطائي، فعرضه على القتل وكانت له عند الملك المنذر يد فسأله أن يمهله سنة يرجع بها إلى أهله فينظر في أمرهم ويعود في مثل هذا اليوم فأجابه وكفله شريك بن عمرو الشيباني فلما كان اليوم الموعود أقبل حنظلة وقد تكفن وتحنط وجاء بنادبته فعجب المنذر من وفائه وسأله عما جاء به بعد أن أفلت من القتل، فقال: إن لي دينا يمنعني من الغدر. قال: وما دينك؟ قال: النصرانية. ووصفها له فرآها المنذر أحب إليه مما كان عليه فتنصر ودعا أهل الحيرة إلى النصرانية، وبنى بها الكنائس وعفا عن الطائي وأبطل تلك العادة.
وعاش إلى أن حدثت بينه وبين الحارث بن أبي شمر الغساني شؤون وتلاقيا بجيشهما في موضع يعرف بعين أباغ، وهو واد وراء الأنبار على طريق الفرات إلى الشام، فقتل المنذر وانهزم جمعه وهذه الواقعة مذكورة في أيام العرب مشهورة باسم الموضع الذي كانت فيه.