ولد سنة ٥٥٢ هـ وتوفي سنة ٦٢٢ هـ
وبويع بالخلافة بعد موت المستضيء، بأمر الله ولده أبو العباس أحمد بن المستضيء بن المستنجد بن المتقي بن المقتدي بن محمد بن القائم بن القادر ابن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن عبد الله بن عباس، ولقب أحمد الناصر لدين الله، وذلك سنة ٥٧٥ هـ، فلما تملك طالت أيامه حتى إنه لم يل لخلافة من بني العباس أطول منه مدة، وكان شديد السياسة داهية خبيرا بشؤون الملك إلا أنه ربما تشدد في بعض الأمور فنسب إلى الظلم، والمؤرخ يحار في ما يكتب عنه لأنه لم يكن مستقيم الأطوار، فبينما تراه مولعا بالمصلحة العامة يفتتح دور الضيافة للناس وللحجاج، ويطلق المكوس، ويرفع عن الناس الضرائب والمظالم، ويتفقد شؤونهم مختفيا في الحنادس الداجية يجوب المنازل ويجول في الشوارع العامة والأزقة مرتديا جلباب سوقي أو شيوخ أو غريب إذا بك تراه قد أغلق تلك الدور، وأعاد تلك الضرائب، وانصرفت همته إلى اللهو واللعب برمي البندق والاشتغال بالطيور والعناية بسراويلات الفتوة (المعروفة اليوم باسم التبانات يتخذها المصارعون، واحدها تبان وليس بعربي)، ويقال: إنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه السلطان محمد من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق، ولئن صح ذلك ليكونن لطخة عار تشوهت بها صحيفته، وقد شك فيه المؤرخون ورأوا أن العجم ينسبونه إليه. وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وأحد عشر شهر إلا يومين، وفي آخر عمره ذهبت إحدى عينيه وضعف بصر الثانية، وفلج فبطلت حركته ثلاث سنين ثم أصابته دوسنطاريا فمات ﵀ وله من العمر نحو سبعين سنة.
* * *
[ ٢٠٣ ]
وولي بعده ابنه أبو نصر محمد الملقب الظاهر بأمر الله وكانت أيامه في عصر المؤرخ ابن الأثير فذكره وأثنى عليه كثيرا حتى داخلني الشك في أنه ربما كان محسنا إليه فقابله على الإحسان إحسانا لأن المؤرخ مهما تمكن من الحرية وانطلاق القلم في الحق لابد له من أن تأخذه على معاصره وولي أمره عاطفة فيثني ويطرئ ويعدد المحامد ويستر المثالب دفعا للشر أو جلبا للخير، والذي يجدر بنا أن ننقله عن مؤرخنا مما يتعلق بهذا الخليفة أنه كان على عكس أبيه مستقيما محبا للخير أطلق المكوس التي كان قد وضعها والده وخفف الأموال عن بعض رعيته، وأخرج المسجونين، ومنع جاسوسية الحراس وكانوا يكتبون للخلفاء كل ما يدور بين الناس من الحديث فأعفاهم من هذا، ولم تطل مدته، ولد سنة ٥٧١ هـ، وحكم سنة ٦٢٢ هـ، ومات سنة ٦٢٣ هـ ومدة حكمه تسعة أشهر.