مات في نحو سنة ٢٢٠ ق. هـ
النعمان بن امرئ القيس بن عمرو اللخمي الأعور السائح: أحد ملوك الحيرة من قبل ملوك الفرس، وكان شجاعا كثير الغارات رفيع الذكر، غزا الشام مرارا بتحريض الفرس، كما سبقت في الترجمة السالفة الإشارة إليه، فغنم وربح وظفر واتخذ كتيبتين حازهما عن جنده، إحداهما كانت مؤلفة من رجال الفرس، وسماها الشهباء. والثانية من تنوخ وسماها دوسر، وبهذه يضرب المثل في البطش والفتك؛ فيقال: أفتك من دوسر.
واجتمعت له في حروبه أموال كثيرة، وكان موصوفا بالعقل والدهاء منعوتا
[ ٨٤ ]
بالحزم وبعد النظر، وكان معاصرا ليزدجرد، المعروف بالأثيم، ملك الفرس، فدفع إليه ابنه بهرام (الذي سمي بهرام جور) ليربيه ويهذبه، فأنشأه على غاية ما يكون من حسن الأخلاق والشجاعة والفروسية، وطالت أيام النعمان، وهو باني القصرين العظيمين الخورنق والسدير، وللشعراء فيهما كلام كثير، ولما بلغ سن الكهولة فكر في أمر الحياة الدنيا فلم يرها إلا غرورا، فسلك مسلك النساك والحكماء. واستعاض عهد داء الملك، بقباء النسك، وانصرف سائحا في البلاد، فانقطع خبره، وخفي أثره، وذلك بعد أن حكم ثلاثين سنة، وفيه يقول عدي بن زيد من قصيدة تقدم بعضها:
وتدبر رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يملـ … ـك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال: فما غبـ … ـطة حتي إلى الممات يصير
ومطلع هذه القصيدة:
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
وفي ختامها بعد ذكر الملوك وآثارهم:
ثم بعد الفلاح والملك والنعمة … وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
ولما غاب النعمان وتحدث الناس بأمره عثروا على بعض آثار منه عرفوا منها ما صار إليه حاله فتولى مكانه المنذر الأولى، وتعاقبت الأبناء والإخوة من بني لخم حتى آل الأمر إلى المنذر بن ماء السماء الآتي خبره. [أورده الزركلي في الترجمة التالية بالفعل، ثم أدخل تعديلا، فتأخرت ترجمة المنذر قليلا].
[ ٨٥ ]
كليب وائل