مات سنة ١٨ ق. هـ
أشهر ملوك الحيرة على الإطلاق، أبو قابوس النعمان بن المنذر اللخمي: داهية أبي شجاع كثير الأخبار، ملك الحيرة إرثا عن أبيه، وكان قد ضعف شأن دولتهم بعد قتل ابن كلثوم لابن هند، فلما ولي النعمان أعادها سيرتها الأولى وأبلغها من الترف منتهاه ومن العزة أقصاها، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، والقصة مشهورة، نذكر خلاصتها وذلك أنه قدم النعمان على كسرى هرمز؛ فإذا عنده وفود من الروم والهند والصين فذكروا ملوكهم وبلادهم وشاركهم النعمان في الحديث فافتخر بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارس ولا غيرها، فتألم كسرى فذم العرب وأجابه النعمان بما كذب ظنه في حديث طويل، ثم عاد النعمان إلى الحيرة فبعث إلى عشرة رجال هم من خيار العرب في ذلك العهد فحضروا وهم: أكثم بن صيفي «من بني تميم»، وحاجب بن زرارة «تميمي»، والحارث بن ظالم «بكري»، وقيس بن مسعود «بكري»، وخالد بن جعفر «عامري»، وعلقمة بن علاثة «عامري»، وعامر بن الطفيل «عامري»، وعمرو بن الشريد «سلمي»، وعمرو بن معد يكرب «زبيدي»، والحارث بن ظالم «من بني مرة»، فلما وفدوا عليه جمعهم في الخورنق وقال لهم: «لقد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله»، ثم حدثهم بما كان بينه وبين كسرى، ودعاهم إلى الوفود على كسرى وأن يخطبوا بين يديه ليعلم أن في العرب رجالا ذي عقول كبيرة وألسنة فصيحة، فأجابوه إلى ما انتدبهم إليه، فرتبهم في الكلام بين يدي كسرى وقدم عليهم أكثم بن صيفي، خلع عليهم الخلع وكتب معهم كتابا إلى كسرى يذكرهم
[ ١٠١ ]
فيه، فارتحلوا حتى بلغوا المدائن، فدفعوا الرسالة إلى أحد الحجاب فأوصلها إلى كسرى، فعقد لهم مجلسا لسماع أقوالهم ودعاهم، فمثلوا بين يديه وألقى كل واحد منهم ما تهيأ له من الكلام، ولولا خوف الإطالة لذكرت أقوالهم لما فيها من الحكمة والإبداع، وكان الترجمان يؤدي إليه معنى ما يقولون. فلما انتهوا قال كسرى: «قد فهمت ما تكلم به خطباؤكم ولولا علمي بأن الأدب لم يثقف أودكم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون بين يديه منطق الرعية الخاضعة لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة»، ثم أكرمهم وأحسن إليهم فعادوا إلى ديارهم، وإن شئت الإطالة في قصة الوفود فقد وردت في المجلد الأول من العقد الفريد لابن عبد ربه فارجع إليه.
ولما انتقل ملك فارس إلى كسرى ابرويز بن هرمز الرابع أراد مصاهرة العرب فأرسل إلى النعمان يخطب منه بعض بنات عمه لأولاده، فامتنع النعمان وقال للرسول: «ما في عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟» وكتب إلى كسرى يعتذر له بأنه ليس في بنات عمه ما يرضيه، وانصرف الرسول فأعاد ما قاله النعمان وترجم له لفظة «العين» بالبقر: وهي من الأوصاف الحسنة في العربية لتشبيه عيون النساء بعيون البقر في السعة والملاحة، فكان كلامه: «ما في بقر السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم» فأغضب هذا القول كسرى، وسكت أشهرا، ثم بعث إلى النعمان يستقدمه إليه، وعلم النعمان بما كان، فأخذ سلاحه وأمواله ونجأ إلى بعض القبائل فلم يحموه حتى نزل على بني شيبان سرا فأودعهم أهله وماله وتوجه مستسلما إلى كسرى، فقبض عليه وأرسله مبعدا إلى خانقين، فأقام بها مسجونا حتى أصابها وباء فمات بالطاعون.
وبسببه كانت واقعة ذي قار بين الفرس والعرب؛ فإن كسرى لما اعتقل
[ ١٠٢ ]