ولد سنة ٨٤ وقتل سنة ١٢٦ هـ
قلت في آخر سيرة هشام السالف ذكره: إن هشاما رأى الوليد لا يصلح للخلافة، وذلك لما كانوا يصفونه به من حب المجون والميل إلى اللهو وإيثار اللذائذ على التفكير بشؤون الملك، وأوشكت أن أضرب صفحا عن إلحاقه بعظماء الرجال الذين عقدت النية على إثباتهم في هذا المصنف، ثم رأيت بعض المؤرخين يذهبون إلى الثناء على الوليد ويعدون ما قيل فيه افتراء عليه وهم يروون له شعرا حسنا يصلح لنا أن ندعوه به شاعر الملوك الأمويين، وعلماء الأدب يذكرون أن كثيرا من الشعراء والكبار كأبي نواس وطبقته يسرقون معاني
[ ١٥٨ ]
الوليد ويدمجونها في أشعارهم، فقلت: إذا لم يكن الوليد ملكا هماما فهو شاعر مجيد، ولم أر أخلاء الكتاب من وصفه.
وهو: الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، ولي الخلافة بعد عمه هشام بعهد من أبيه يزيد. قال ابن الأثير المؤرخ بعد أن ذكر أخباره ونسبه: وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء، ومن جيد شعره قوله لما بلغه أن هشاما يريد خلعه وكتب إليه بالأبيات:
رأيتك تبني دائبا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة … فويل لهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم والليت أفضل قولهم … ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
يشير إليه بأنه لو صرف الخلافة عنه ومات لحدثت حروب ووقائع وفتن، ولما مات هشام أتى خبره الوليد، وهو في مجلس طرب فأصغى قليلا وأمر مغنيه أن يغنيه:
طاب يومي ولد شرب السلافة … وأتانا نعي من بالرصافة
وأتانا البريد ينعي هشاما … وأتانا بخاتم للخلافة
فاصطحبنا من خمر عانة صرفا … ولهونا بقينة عرافة
فغناه بها وفي صبيحة اليوم الثاني من توليته أجرى على الزمني من أهل الشام الجرايات وكسا المعوزين وأمر بإحصاء العميان، وأن يدفع إلى كل واحد منهم خادم يخدمه وفرق على الناس العطايا والمنح ولم يسأل شيئا إلا سمح به،
[ ١٥٩ ]
وقال:
ضمنت لكم إن لم يعقني عائق … بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معا وزيادة … وأعطية مني عليكم تبرع
فيجمعكم ديوانكم وعطاؤكم … به تكتب الكتاب شهرا وتطبع
وهو الذي قتل خالد بن عبد الله القسري وقال في ذلك قصيدته العامرة يوبخ أهل اليمن، وكانوا قد حاولوا نصرة خالد، ثم تخلوا عنه، وقيل: إن القصيدة لأحد شعراء اليمن جعلها على لسان الوليد ولا أراه حقيقة، قال الوليد:
ألم تهتج فتذكر الوصالا … وحبلا كان متصلا غزالا (^١)
بلى فالدمع منك إلى انسجام … كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك أد كارك آل سعدى … فنحن الأكثرون حصى ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا … نسومهم المذلة والنكالا
وطئنا الأشعري بعز قيس … فيالك وطأة لي تستقالا
وهذا خالد فينا أسير … ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيدهم قديما … جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عز … لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا … يعالج من سلاسلنا الثقالا
ولكن الوقائع ضعضعتهم … وجدتهم وردتهم شلالا
وأثرت هذه القصيدة في اليمانية فأخذوا يسعون في قتله وقال حمزة ابن بيض الشاعر يرد على الوليد في أبياته السابقة:
وصلت سماء الضر بالضر بعدما … زعمت سماء الضر عنا ستقلع
_________________
(١) القصيدة أوردتها مصادر كثيرة .. وقد ورد الشطر الثاني برواية: … كان متصلا فزالا.
[ ١٦٠ ]
فليت هشاما كان حيا يسومنا … وكناكما كنا نرجى ونطمع
ثم أتوا يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة فأطاعهم فبايعوه وانعقدت له البيعة سرا وفشت الدعوة إليه في الناس واستفحل أمره وشعر بهم الوليد فأراد تجهيز جيش فرأى الناس عنه راغبين فنهض برجاله يقاتل يزيد وأشياعه فنشب القتال، ثم انهزم الوليد فدخل قصر النعمان بن بشير في البخراء بظاهر دمشق وأغلق الباب، ثم أطل على الجماهير، وقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ فأجابه رجل من أصحاب يزيد، فقال: ألم أزد في أعطياتكم، ألم أرفع المؤن عنكم، ألم أعط فقراءكم، ألم أخدم زمناكم، قالوا: بلى! ولكنك انتهكت حرمة الله وشربت الخمر واستخففت بأمر الله، فعلم أنه لا سبيل لإقناعهم فعاد فأخذ مصحفا وجلس يتلو، فدخلوا عليه، فقال: يوم كيوم عثمان! فقتلوه.
وذلك سنة ١٢٦ هـ، ومدة خلافته سنة وستة أشهر، وله من الكلام ما هو غاية في بلاغته: يذكر أنه لما مات مسلمة بن عبد الملك قعد هشام للعزاء فأتاه الوليد يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: «يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى واختل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى»، فأفحم هشام ولم يجبه، ومن شعره قوله في نصرانية اسمها شقراء:
أضحى فؤادك يا وليد عميدا … صبا قديما للحسان صيودا
من حب واضحة العوارض طفلة … برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق … حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح قلبي من رأى … منكم صليبا مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه … وأكون في لهب الجحيم وقودا
[ ١٦١ ]