سبقت الإشارة إلى صاحب هذه الترجمة في الكلام على عدنان وقلنا بأن الجيل الثاني من أجيال العرب الثلاثة، وهو المسمى «العرب المتعربة» يبتدئ بقحطان وأنه وابنه يعرب أخذا العربية عمن تقدمهما من قبائل العرب العاربة.
وقحطان هو: ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ذلك ما يذكره
_________________
(١) المسلة في اصطلاح الأثريين اليوم: أعمدة طويلة مربعة محددة الرأس، والأصل في هذه التسمية شيوعها عند العامة من المصريين في إطلاقهم على بعض الأعمدة القديمة اسم مسلة فرعون. قال ياقوت في المعجم في البحث عن عين شمس: «وكانت مدينة كبيرة .. وبها آثار قديمة وعواميد تسميها العامة مسال فرعون سود طوال جدا تبين من بعد كأنها نخيل بلا رؤوس».
[ ٦٩ ]
علماء الأنساب ويقدمونه على ما عداه، واسم قحطان في التوراة يقطان، وأبوه عابر هو نبي الله هود ﵇، وكانت إقامة أبيه هود في حضرموت وهو من أشراف قومه ووجوههم وبها توفي وفيها قبره، وأما ابنه قحطان؛ فمولده ومنشأه الأول في حضرموت، ثم انتقل بجماعة من قبيلته وأهله إلى مدينة صنعاء وكانت أرضا خالية فابتنى بها واقتدى به من جاء معه فمصروها وصيروها مدينة تذكرهم آثارها بعد مر الألوف من السنين، وكثرت جماعة المنتقلين إلى صنعاء لما وجدوا بها من الخصب وطيب الهواء فنادوا بقحطان أميرا عليهم (ملكا) وكان كما قدمنا من أعيان قومه وأبوه ذو الشأن الرفيع بوجاهته بينهم ونبوته فيهم، وأحسن قحطان السياسة فأحبوه وكرموه، ورأى نفسه في قوة وسلطان فجمع جيشا وزحف به إلى العراق، وكان قد بلغه أن شداد بن عاد (أحد أمراء العرب العاربة) جاور العراقيين مدة واستولى في نحو سنة ٢٩٢٧ ق. هـ على مدينة بابل قاعدة مملكة الكلدانيين والحموربيين.
ولما كانت سنة ٢٦٩٥ ق. هـ، وذلك في أيام قحطان، وثب الملك الآشوري بعلوس على من كان فيها من العرب فطردهم وجعلها عاصمة لمملكته الآشورية، فزحف إليه قحطان بما اجتمع لديه من المقاتلة ونشبت بين الفريقين حرب هائلة طالت أيامها، ومات في أثنائها قحطان سنة ٢٦٩٠ ق. هـ، ثم إن ابنه يعرب عقد الصلح مع بعلوس، وعاد إلى صنعاء مقر ملكه وملك أبيه من قبله.
أما قحطان فيقال: إنه أول من لبس التاج ولعله لما قدم العراق ورأى حضارة بابل ونينوى في ذلك العهد قلد ملوكهم بلبس التاج فكان أول من لبسه من ملوك اليمن وجزيرة العرب، وهو وابنه يعرب أول من نطق باللغة العربية وكانت لغتهم اللغة الكلدانية وهي لسان أهل العراق الأصليين، واستبعد ابن خلدون ما ينقله المؤرخون من أن قحطان أول من تكلم بالعربية، وأنه أتى بها مخترعا من ذات نفسه، فقال: وقحطان تعلم العربية ممن أدركه من العرب العاربة (البائدة).
[ ٧٠ ]
وولد لقحطان ثلاثة عشر ولدا، وكثر نسله حتى امتلأت به البلاد اليمنية بعد زمن يسير، وإنما تشعبت القبائل والبطون القحطانية من حفيده سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، فكانت منه بطون حمير وبطون كهلان وانتشرت أبناؤهم في الشام والحجاز والعراق واليمن، ومن نسله التبابعة ملوك اليمن، واللخميون ملوك الحيرة، والغساسنة ملوك الشام، وفيه يقول الشاعر:
فما مثل قحطان السماحة والندى … ولا كابنه رب الفصاحة يعرب
يعرب