مات سنة ٣٦٥ ق. هـ
جذيمة بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي: أحد ملوك العراق ومن ذوي الذكر الذائع والاسم الشائع. قال المؤرخ ابن الأثير: «كان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، وهو أول من غزا بالجيوش، وشن الغارات على قبائل العرب».
كان مقره في الأنبار واليا على من جاوره من عرب العراق من قبل الأكاسرة ملوك العجم في أيام ازدهار ملكهم وامتداد سلطتهم، ثم استولى على السواد (في شمالي العراق) وانقادت له الحيرة والأنبار وسائر القرى المجاورة، ثم طمح بنظره إلى مشارف الشام وأرض الجزيرة فغزاها وحارب ملكها عمرو بن الظرب والد الزباء، فقتله وانتهب بلاده، وكان له من الفرات إلى تدمر، وفرت ابنته الزباء، حتى انصرف جذيمة فعادت إلى تدمر مقر ملك أبيها فجمعت شمل الجند واستعدت، ثم راسلته وعرضت عليه نفسها زوجة له، وكانت أجمل وأعقل وأشهر نساء عصرها، فقدم عليها جذيمة ليتزوجها فاغتالته وقتلته وأخذت بثأر أبيها: وقصتها مشهورة تجدها في أكثر كتب التاريخ والأدب العربي وفي حوادثها أمثال جيدة وأخبار تلذ الثلاة، ولبحثة الإفرنج اهتمام كبير بأمرها وهم يسمونها «زينوبيا - ملكة تدمر»، فارجع إن شئت البحث عنها إلى كتب المستشرقين وأهل التحقيق منهم، وابتعد ما استطعت عن كتب العرب وأقوالهم فيها إلا في ما لا بد منه كالأمثال العربية أو إرادة المقابلة.
[ ٨١ ]
وجذيمة أول ملك أو أمير عربي جلس على سرير اتخذه لنفسه في مجلسه: أخذ ذلك عن الفرس، وجبيت له أموال البلاد الخاضعة لحكمه فقال فيه شاعره:
أضحى جذيمة في الأنبار منزله … قد حاز ما جمعت في عصرها عاد
مستعمل الخير لا تفنى زيادته … في كل يوم وأهل الخير تزداد
وضاع له ابن أخت يدعى عمرا وهو صغير فمضى عليه زمن ثم لقيه رجلان: اسم أحدهما مالك والثاني عقيل فأتياه به فقال لهما جذيمة: تمنيا علي ما شئتما، فطلبا منادمته ما بقي وبقيا فنادماه أربعين سنة، ورأى منهما عقلا وأدبا فصحبهما حتى مات وفرقت بينهما الأيام، فضربت العرب بهما الأمثال في تأكيد الألفة وطول الصحبة؛ قال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه عروة:
تقول أراه بعد عروة لاهيا … وذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده … ولكن صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا … خللا صفاء: مالك وعقيل
وكان يقال لجذيمة «الأبرش» و«الأبرص» لبرص كان فيه، ولكن العرب هابته أن تنعته به فلقب بالوضاح، وقتل في تدمر كما ذكرنا واختلفوا في مدة ملكه بين ٥٠ سنة و[٦٠].