انقرضت دولة بني العباس في العراق وانمحت آثارها فلم يطل أمد احتجابها غير نيف وثلاث سنين وظهرت في مصر بوفود أبي القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر بن الناصر بن المستضيء، العباسيين على الملك الظاهر بيبرس البندقداري أحد ملوك دولة المماليك في مصر، وكان أبو القاسم هذا غائبا عند حدوث واقعة بغداد فنجا من شرها وأثبت نسبه العباسي لدى الملك الظاهر بمصر أمام جمع من العلماء وأركان الدولة ففرح به الظاهر؛ لأنه وجده قوة جديدة لملكه، ولا يخفى أن المسلمين لا ينظرون أن الملوك بعين الرضى والخضوع إلا إذا قرنوا إلى ألقابهم السياسية لقبا دينيا كالخليفة أو أمير المؤمنين، وهذا اللقب لا يحرزه إلا أصحاب النسب الثابت كالعلويين والعباسيين وأشباههم، فلما ظفر الملك الظاهر بالخليفة العباسي جمع الناس وأعلن فيهم أن دولته أصبحت دولة ثابتة الأساس بانتسابها إلى دولة العباسيين وبايع أبا القاسم العباسي ولقب المستنصر، وكذلك بايعه أركان دولة الملك الظاهر وخطب باسمه على المنابر ونقش على النقود وأقيمت له المظاهر وأنزل في دار فخمة، وذلك سنة ٦٥٩ هـ فهو أول الخلفاء العباسيين في الديار المصرية ولم يكن له ولا لمن بعده أثر يذكر لأنهم إنما كان لهم من الخلافة الاسم والأبهة والخطبة ولا يحق لهم أن ينظروا في شيء من شؤون الدولة فهي خلافة كاذبة وملك وهمي ودام لهم ذلك بمصر ٢٥٥ هـ سنة تعاقب منهم خمسة عشر رجلا على الإمارة، وهذه خلاصة أخبارهم، اعتمدت فيها على تاريخ ابن الوردي:
١ - المستنصر: أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر العباسي، بويع سنة ٦٥٩ هـ وجهز له الملك الظاهر البندقداري جيشا زحف به إلى العراق لاسترداد بغداد فحارب التتر فانهزم جيشه، وفقد هو ولم يعلم خبره وذلك سنة ٦٦٠ هـ.
[ ٢٠٨ ]
٢ - الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن المسترشد بن المستظهر، ظهر في الديار المصرية بعد أن شاع خبر فقدان المستنصر فأثبت نسبه أمام الملك الظاهر بيبرس سنة ٦٦٠ هـ فبايعه الظاهر وجعل له ما كان للمستنصر وتوفي بمصر سنة ٧٠١ هـ فدفن بها.
٣ - المستكفي بأمر الله: أبو الربيع سليمان بن أحمد الحاكم، بويع بعد وفاة أبيه سنة ٧٠١ هـ وتوفي بقوص سنة ٧٤٠ هـ، ومولده سنة ٦٩٠ هـ، وكان قد أخرج إلى الصعيد سنة ٧٣٨ هـ وعلى لسانه يقول ابن الوردي في تاريخه: «مثلي يعيش بالموت، ويبلغ المنى بالفوت، … إلى كم لهم العيشة الرطبة، ولي مجرد الخطبة، فلهم الملك الصريح، وسليمان الريح!».
٤ - الواثق بالله: أبو إسحاق إبراهيم ابن أخي المستكفي، بويع بعد موت المستكفي سنة ٧٤٠ هـ عاشر السفلة فخلع بعد أن مكث سنة وأياما.
٥ - الحاكم بأمر الله (الثاني): أبو العباس أحمد بن المستكفي بالله بن الحاكم (الأول)، بويع في المحرم من سنة ٧٤٢ هـ وتوفي سنة ٧٥٣ هـ.
٦ - المعتضد بالله: أبو بكر بن المستكفي، بويع بعهد من أخيه الحاكم الثاني سنة ٧٥٣ هـ، وتوفي سنة ٧٦٣ هـ.
٧ - المتوكل على الله: أبو عبد الله محمد بن المعتضد، بويع سنة ٧٦٣ هـ، وتوفي سنة ٨٠٨ هـ، وخلف أولادا كثيرين، قيل: إنهم نحو المئة.
٨ - المستعين بالله: أبو الفضل بن المتوكل، بويع بعهد من أبيه سنة ٨٠٨ هـ وتوفي سنة ٨٣٣ هـ.
٩ - المعتضد بالله (الثاني): أبو الفتح داود بن المتوكل بن المعتضد (الأول)، بويع بعد أخيه المستعين سنة ٨٣٣ هـ، وتوفي سنة ٨٤٥ هـ.
[ ٢٠٩ ]
١٠ - المستكفي بالله (الثاني): أبو الربيع سليمان بن المتوكل، بويع بعهد من أخيه المعتضد سنة ٨٤٥ هـ، وتوفي سنة ٨٥٥ هـ.
١١ - القائم بأمر الله: أبو البقاء حمزة بن المتوكل، بويع بعد أخيه المستكفي الثاني سنة ٨٥٥ هـ، فأقام شهرا واثني عشر يوما ووقع خلاف بينه وبين الملك الأشرف سلطان مصر فذهب إلى الإسكندرية فأقام بها حتى مات سنة ٨٦٣ هـ.
١٢ - المستنجد بالله: أبو المحاسن يوسف بن المتوكل، بويع بعد انصراف أخيه القائم بالله إلى الإسكندرية سنة ٨٥٥ هـ، ومات مفلوجا سنة ٨٨٤ هـ.
١٣ - المتوكل على الله (الثاني): أبو العز عبد العزيز بن يعقوب، بويع سنة ٨٨٤ هـ، وتوفي سنة ٩١٣ هـ.
١٤ - المستمسك بالله: أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز، بويع بعد أبيه المتوكل الثاني سنة ٩١٣ هـ، وتوفي سنة ٩٢٧ هـ.
١٥ - المتوكل على الله (الثالث): محمد بن يعقوب المستمسك، بويع بعد أبيه سنة ٩٢٧ هـ، وفي أيامه افتتح السلطان سليم أحد سلاطين آل عثمان، بلاد الشام ومصر سنة ٩٢٢ هـ، فاستلم من المتوكل الآثار النبوية وهي الراية والسيف والبردة ومفاتيح الحرمين الشريفين، وأخذه معه إلى القسطنطينية بعد أن تنازل له المتوكل عن الخلافة، وأصبح كل سلطان عثماني يلقب بالخلافة وإمارة المؤمنين منذ ذلك الحين فاجتمعت لهم السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وأقام المتوكل في القسطنطينية مدة ثم عاد إلى مصر؛ فمات سنة ٩٤٥ هـ، وهو آخر الخلفاء العباسيين في العراق والديار المصرية وبه تم الكلام عليهم.
* * *
[ ٢١٠ ]