مات سنة ٦٤ هـ
زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله (أو عبد اللات) به كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة الكلبي من أهل اليمن: أحد أمراء العرب المشهورين وشعرائهم وذوي الرأي فيهم، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه، وكان شجاعا مظفرا ميمون النقيبة، عاش طويلا: ومؤرخونا يذكرون عن عمره ما يقولونه عن سائر المعمرين، وهو أحد الذين شربوا الخمر صرفا حتى ماتوا (انظر ترجمته ملاعب الأسنة)، ومن أخباره أنه لما بلغه أن بني بغيض بن ريث بن غطفان بنوا حرما كحرم مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائده قال: والله لا يكون ذلك وأنا حتي! فنادى في قومه فغزا بني بغيض فظفر بهم وأخذ فارسا منهم في حرمهم فقتله وعطل ذلك الحرم، ثم مر على غطفان ورد النساء وأخذ الأموال، وقال في ذلك من أبيات:
فلم تصبر لنا غطفان لما … تلاقينا وأحرزت النساء
فلولا الفضل منا ما رجعتم … إلى عذراء شيمتها الحياء
نفينا نخوة الأعداء عنا … بأرماح أسنتها ظماء
واشتهرت واقعته مع بكر وتغلب ابني وائل وسببها: أن أبرهة الأشرم حين طلع إلى نجد أتاه زهير فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب ثم أمره على بكر
[ ٨٩ ]
وتغلب فوليهم حتى أصابهم قحط فلم يؤدوا الخراج فقاتلهم زهير فترقبه ابن زيابة وكان فاتكا حتى نام فاعتمد بالسيف على بطن زهير حتى ظن أنه قتله، وسلمت أمعاء زهير فلم يتحرك لئلا يعود إليه، فلما انصرف التيمي إلى قومه أخبرهم أنه قتل زهيرا، ولم يكن مع زهير إلا نفر من قومه فأمرهم أن يظهروا أنه ميت ورحلوا به مجدين إلى قومهم فشفي وجمع جموعا من أهل اليمن فهاجم بكرا وتغلب فأثخن فيهم وأسر كليبا ومهلهلا ابني ربيعة وجماعة من فرسانهم وقال في ذلك من قصيدة:
أين أين الفرار من حذر الموت … إذا يتقون بالأسلاب
إذ أسرنا مهلهلا وأخاه … وابن عمرو في القيد وابن شهاب
وسبينا من تغلب كل بيضاء … رقود الضحى برود الرضاب
واستدارت رحى المنايا عليهم … بليوث من عامر وجناب
فهم بين هارب ليس يألو … وقتيل معفر في التراب
فضل العز عزنا حين نسمو … مثل فضل السماء فوق السحاب
وكان زهير خطيب قضاعة، وسيدها، وشاعرها، ووافدها إلى الملوك، وبطلها، واجتمعت فيه خصال محمودة لم تجتمع في غيره وأحصى بعضهم ما عرف له من الغزوات والحروب فبلغ مئتي واقعة، وأسن وطال عمره حتى ضعف عقله فمات منتحرا بشرب الخمر صرفا على ما سيأتي بيانه.