ولد سنة ١٢٧ ومات سنة ٤٥ قبل الهجرة
أبو الحارث شيبة الحمد بن هاشم بن عبد مناف: أحد عظماء قريش وسيد من كبار سادات العرب، اسمه شيبة الحمد، قيل: لأنه ولد وفي رأسه شيبة فسموه بها، وغلب عليه لقبه عبد المطلب، وذلك أن أباه هاشما سافر في تجارة إلى الشام فمر بالمدينة فنزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار فرأى
[ ٣٧ ]
ابنته سلمى فأعجبته فتزوجها ولما عاد من سفره أخذها معه إلى مكة، ثم أراد السفر إلى الشام فأخذها إلى المدينة على أن يعيدها عند رجوعه وكانت حبلى، فلما بلغ غزة مات بها (كما تقدم في ترجمته)، وولدت سلمى غلاما شيبة (أو شيبة الحمد) فنشأ في المدينة، وبعد نحو سبع سنين مر بالمدينة رجل من بني الحارث؛ فإذا غلمان ينتضلون (يتبارون في رمي السهام) وشيبة بينهم كلما أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا ابن هاشم بن عبد مناف، فلما أتى الحارثي مكة أخبر المطلب بن عبد مناف (أخا هاشم) بما رأى وما سمع، فسر المطلب وركب وارتحل إلى المدينة فرأى غلمانا يضربون كرة فعرف ابن أخيه فأخذه واستأذن أمه وأركبه على عجز الناقة حتى قدم مكة ضحوة والناس في مجالسهم فسألوه: من هذا وراءك؟ وكانت بزته غير حسنة فخجل أن ينسبه لهم فقال: عبد لي، ثم ألبسه حلة تليق به وأخرجه للناس فحدثهم بخبره؛ فكان بعضهم إذا ذكروه قالوا: عبد المطلب فغلب عليه، ثم شب بينهم فكانت له السقاية والرفادة، ولاحت عليه أمارات السيادة والإمارة وكان عاقلا ذا أناة ونجدة وخبرة فأحبه قومه؛ فرفعوا من شأنه وطال عمره، وحفر بئر زمزم، وهي البئر التي احتفرها إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ودفنتها جرهم، فأعادها وظهر ماؤها. وكان فصيح اللسان حاضر الجنان، وفد بجماعة من قريش على ملك اليمن سيف بن ذي يزن الحميري حين أدرك ملك آبائه، يهنئونه بالنيابة عن أهل الحجاز، فلما دخلوا عليه، استأذنه عبد المطلب في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك أذنا، فقال عبد المطلب: «إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا، باذخا شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت أبيت اللعن رأس العرب، وربيعها الذي به تخصبه، وملكها الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ
[ ٣٨ ]
العباد، فسلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، فلن يهلك من أنت خلفه، ولم يحمل من أنت سلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته أشخصنا إليك من أنهجك لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة، لا زلت ناعم البال، مهنا في كل حال».
فقال سيف الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب ابن هاشم، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، فأقبل عليه من بين القوم وقال: «مرحبا وأهلا ومناحا سهلا، وناقة ورحلا، وملكا […] (^١)، يعطى عطاء جزلا، قد سمعت مقالتكم وعرفت قرابتكم، أهل الشرف والنباهة ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا طعنتم»، ثم أمر بهم إلى دار الضيافة فأقاموا شهرا لا يؤذن في مقابلته ولا في الانصراف، ثم دعا بعبد المطلب فأخبره أن كتبهم السماوية تبشر بنبي يظهر من ذريته، وأمره أن يكتم ذلك، وأجزل له العطايا وأكرم من جاء معه، وأذن لهم فعادوا.
وكان عبد المطلب إذا دخل شهر رمضان صعد حراء فتحنث (أي تعبد)، وأطعم المساكين جميع الشهر، وهو أول من خضب بالسواد من العرب. مات وعمره ٨٢ سنة - كما في عيون التواريخ - وفي الكامل أنه عاش ١٢٠ سنة، وفي سبائك الذهب ١٤٠ سنة، وخلف اثني عشر ولدا وهم: عبد الله، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، والعباس، وضرار، وحمزة، والمقوم، وأبو لهب، وقثم، والغيداق، والحارث. وبعض الناسبين يعدهم عشرة، يهمل عبد الكعبة وقثم ويزيد ست بنات، وأنا ذاكر فيما يلي تراجم أشهر هؤلاء، وفي كتب السيرة النبوية أن رسول الله كان إذا انتخى في الحرب يقول:
«أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب!»
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل.
[ ٣٩ ]