ولد سنة ٤٧ ق. هـ وتوفي سنة ٣٥ هـ
توفى الله عمر بن الخطاب (﵁) وترك الأمر شورى في ستة من كبار المسلمين وبعد بحث وحديث طويل تجده في تاريخ الطبري قر رأيهم على أن يكون ثالث الخلفاء الراشدين ذو النورين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية: نودي به خليفة في المسلمين بعد وفاة عمر بثلاثة أيام، وهو أحد الرجال الذين أعز الله بهم الإسلام من السابقين إلى الدين، وله في سبيل الدعوة الإسلامية أياد بيضاء، وهو صاحب جيش العسرة.
وذلك أن رسول الله ﷺ لما حشد جيش العسرة في غزوة تبوك وقف في القوم، فقال: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة؟» فلم يكن من عثمان إلا أن جهز نصف الجيش من ماله فبذل ثلاث مئة بعير بأقتابها وأحلاسها وتبرع بألف دينار، فقال رسول الله ﷺ: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم.
ولما ولي الخلافة كتب إلى أمراء الأمصار يقول:
«أما بعد؛ فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة وليوشكن أئمتكم أن يصيروا
[ ١١٩ ]
جباة ولا يصيروا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم فتعطوهم ما لهم وتأخذوهم بما عليهم ثم تعتنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء».
وكتب إلى أمراء الجنود في الثغور:
«أما بعد؛ فإنكم حماة الإسلام وذاتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه».
وكتب إلى عمال الخراج:
«أما بعد؛ فإن الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به؛ والأمانة الأمانة: قوموا عليها ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم».
وكتب إلى العامة من المسلمين بالأمصار:
«أما بعد؛ فإنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع فلا تلفتكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا»، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «الكفر في العجمة؛ فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا أو ابتدعوا».
وسار عثمان في بادئ الأمر سيرة من تقدمه، ثم ما لبث أن جعل يتشيع لأقاربه من بني أمية فيعزل عن البلاد الأكفاء ويوليها من لا يصلح لها منهم، وقد كان
[ ١٢٠ ]
عمر يتخوف ذلك منه. قال العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج من فصل عقده لذكر ما فقم على عثمان في خلافته:
«لما ولي عثمان صحت فيه فراسة عمر؛ فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع وافتتحت أرمينية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان بن الحكم، وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربع مئة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن سيره رسول الله ﷺ ولم يرده أبو بكر ولا عمر وأعطاه مئة ألف درهم، وتصدق رسول الله ﷺ بموضع سوق بالمدينة يعرف بتهروز على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب - وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة - من غير [أن] يشركه فيه أحد من المسلمين، وأعطى أبا سفيان بن حرب مئتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمئة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى فقال للخلفاء شعرا كثيرا لست أدري مبلغه من الصحة، جاء فيه هذان البيتان لعثمان:
غنى النفس يغني النفس حتى يكفها … وإن عضها حتى يضر بها الفقر
وما عسرة فاصبر لها إن لقيتها … بكائنة إلا سيتبعها يسر
وترجم في كثير من كتب التاريخ الإسلامي ولعلك تجد ما يكفيك في أشهر مشاهير الإسلام.
[ ١٢١ ]