ولد سنة ٢٣ ق. هـ وتوفي سنة ٤٠ هـ
أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين أبو الحسن، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي: ولد بمكة وأسلم صغيرا وناصر ابن عمه كبيرا؛ فكان من أعظم أعوان رسول الله ﷺ على نشر الدعوة الإسلامية والذود عن حياض شريعة القرآن، وكان ممتازا بثلاث خلال: الشجاعة في الحروب: وهو ابن بجدتها وصاحب الصوت والصيت في المعارك والملاحم، والفقه في الدين، وكان أعلم أصحاب النبي ﷺ بالأحكام وبه يضرب المثل في حسن القضاء، والفصاحة في المنطق، وله الخطب الرنانة والأقوال المتناقلة والكلم السوائر. تولى الخلافة بعد مقتل عثمان (عام ٣٥ هـ) فحدثت في أيامه من وقائع عظيمة أشدها ما كان بينه وبين معاوية مزاحمه الأكبر على الخلافة والداهية الأموي المشهور.
يكاد الباحث المؤرخ يوجل من إبداء رأيه في صاحب هذه الترجمة عليه الرضى والسلام لما يراه من اختلاف الناس فيه وإدخال بعض العامة ورهط من الخاصة الحكم عليه في أمور الدين، علي أن العاقل المنصف إذا وجد مجالا للقول لم يسعه إلا أن يجهر بحقيقة ما يجب أن يذكر به هذا الخليفة الراشد مما يكون له أو عليه، لنترك أقوال الغالين في حبه والذين يبلغون به مقام الربوبية أو ما دونها، ولندع التعرض للمفاضلة بينه وبين من تقدمه من الخلفاء؛ فالأولون جهلة أغبياء لا يقاومون بغير التهذيب والتعليم فلا تلبث أن تنقشع عن قلوبهم تلك العماية الرائنة والغواية الكامنة، وأما الخلفاء من الأصحاب فكأصابع الكف للدين، لكل منهم مقام ومنزلة لا ينوب بها عنه الآخر، ولا سيما والشحناء في مثل هذا لا تجدي من أورى بها الزند نفعا.
[ ١٢٢ ]
أما ما شغل جماعات المؤرخين من أنه كان الأحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، مما يؤدي بفريق من الناس إلى الحط من كرامتهم بنسبتهم إلى الظلم، ثم بأن يقال فيهم ما يقال في الظالم المغتصب، فهذا أيضا أمر مفروغ منه، والذي نعتقده أن أبا بكر كان أرضى الله والناس من سواه لاطلاعه على روح الدين في نشأته الأولى والثانية، حين كان أمير المؤمنين علي يعد في الفتيان، يقوده إلى الدين حبه لرسول الله ﷺ وشغفه بأخلاقه واستحسانه لما جاء به، وأبو بكر من شيوخ المسلمين وأهل الحنكة والدربة والعلم والرأي فيهم، فهو أولى بها، واجتهد أبو بكر في المسلمين فعهد إلى عمر فلم يكن دونه ضبطا للأمور وقياما بمصلحة الأمة، وانتهى الأمر إلى عثمان فكان في عصره ما كان، وجاءت النوبة إلى علي والناس له مريدون عليه مجمعون، فكان (﵁) شديدا في الدين إذا رأى الرأي لم يردده عنه راد يصدع فيما يأمره به قلبه النقي وما يوحي إليه ضميره الطاهر غير وان ولا محاب وأنت ترى أن سياسة الملك ربما قضت على القائم بها أن يغض بصره على بعض القذى وأن يتوقع الفرصة ويتربص للسوانح؛ فهذا ما يأخذه على علي من آخذه، ومن دافع عنه عد تلك الخلال سياسة خداع ودهان، ورأى عليا عليه الرضوان أجدر بأن لا يتصف بها وأحرى بأن يتعرى منها، وذلك ما يظهر لنا في أمره يتجلى لك فيما سنذكره من الكلام على أخباره:
قتل عثمان وولي علي بمبايعة الناس له، فلم يكن ليطيب له الصبر وهو يرى البلاد قد طوقت ببني أمية وفيهم الصالح والطالح، فسير الولاة إلى الجهات وعزل بعض من ولاهم سلفه، وكانت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان عداوات وحزازات أشار إليها العلامة ابن أبي الحديد في شرح النهج حكاية عن معاصره أبي جعفر نقيب البصرة، قال (ج ٢، ص ٥٧٩): «وكيف يتوهم من يعرف السير أن معاوية كان يبايع لعلي لو أقره على الشام وبينه وبينه ما لا تبرك الإبل عليه
[ ١٢٣ ]
من التراث القديمة والأحقاد، وهو - أي علي - الذي قتل أخاه حنظلة وخاله الوليد وجده عتبة في مقام واحد ثم ما جرى بينهما في أيام عثمان حتى أغلظ كل واحد منهما لصاحبه وحتى تهدده معاوية، وقال له: إني شاخص إلى الشام وتارك عندك هذا الشيخ - يعني عثمان - والله لئن أنحضت منه شعرة واحدة لأضربنك بمئة ألف سيف … إلخ».
فلما بعث علي الرجال إلى الأمصار سير سهل بن حنيف واليا على الشام؛ فسار حتى بلغ تبوك فإذا خيل من الشام فقالوا: من أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. قالوا: إن كان بعثك عثمان فحي هلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع، فرجع إلى علي، وبلغ معاوية الخبر فقام في الناس فأخبرهم بأن عليا قتل عثمان وحرضهم على القيام لقتل من اشترك في دمه فاتجهت إليه القلوب، وكان علي ﵁ لما أراد توجيه الأمر بالعزل إلى معاوية وأضرابه من عمال عثمان نهاه أصحابه وأطالوا عليه ولا سيما المغيرة بن شعبة وعبد الله بن العباس وهما من خيرة عقلاء المسلمين ودهاتهم فأبى وأصر (راجع كامل ابن الأثير المجلد الثاني)، قال له المغيرة: «أقرر معاوية وابن عامر - والي البصرة - وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس، ثم اعزل من شئت»، فكان يقول: «لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري»، قال: «فإن أبيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن فيه جرأة وهو في أهل الشام يستمع منه ولك حجة في إثباته، كان عمر بن الخطاب ﵁ قد ولاه الشام»، فقال: «لا والله لا أستعمل معاوية يومين!»، ودخل عليه ابن عباس فحدثه علي بقول المغيرة فقال: نصحك. قال: ولم نصحني؟ قال: «لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى ثبتهم لا يبالون من ولي هذا الأمر، ومتى عزلتهم يقولون أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا ويؤلبون عليك فتنتفض عليك الشام وأهل العراق مع أني لا أمن طلحة والزبير أن يكرا عليك، وأنا أشير عليك أن تثبت
[ ١٢٤ ]
معاوية؛ فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله»، قال علي: «والله لا أعطيه إلا بالسيف»، فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع لست صاحب رأي في الحرب، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحرب خدعة؟ قال: بلى! قال: «والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولا تركتهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا أثم لك …» فأزمع علي على ما ارتأى وبعث الرجال فكان لسهل بن حنيف ما كان فلما عاد وأخبره أخذ يتجهز للزحف على الشام لقتال معاوية [و] من أخذ إخذه، وإذا هم بنبأ جديد، جمع من المسلمين ثاروا عليه في البصرة برأسهم طلحة والزبير الصحابيان الجليلان وعائشة أم المؤمنين وكلهم يتهمونه بقتل عثمان، فحول علي قوته إليهم وتوجه نحوهم فكانت الواقعة المعروفة باسم «وقعة الجمل» حاربهم فيها علي بنصرأة له من أهل الكوفة والحجاز فظفر بهم وفرق جمعهم، فلم يطمئن حتى بلغه وهو في الكوفة أن معاوية يتهيأ للوثوب، فكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى البيعة وليؤكد له أنه بريء، من دم عثمان، فأجابه معاوية بأنه: إن لم يكن هو قاتل عثمان، فإنه يتقمم منهم أنصاره، وأنه لا يبايع إلا بعد أمرين: أن يدفع إليه قتلة عثمان ينتقم منهم، وأن يترك الأمر شورى بين المسلمين كما تركه عمر؛ فإن اتفقوا عليه بايعه، فأغلظ له علي في الجواب، وترا دفت الرسائل بينهما، ولم يشعر علي إلا وأهل الشام زاحفة بجيوشها عليه، فجهز أهل العراق، ومن كان معه من رجال الحجاز وخرج يريد القتال، فتلاقى الجمعان في موضع يقال له صفين (كسجيل: موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس) قال ياقوت في معجم البلدان (ج ٥، ص ٣٧٠): «كانت وقعة صفين في سنة ٣٧ في غرة صفر … وكان علي في مئة وعشرين ألفا، ومعاوية في تسعين ألفا، وقتل في الحرب بينهما سبعون ألفا منهم من أصحاب علي خمسة وعشرون ألفا، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفا … وكان مدة المقام بصفين مئة يوم وعشرة أيام، وكانت الوقائع تسعين وقعة».
[ ١٢٥ ]
واختتمت تلك الحروب الهائلة في ذلك السبب التافه حتى اتفق الفريقان على تحكيم رجلين منهما والرضى بما يتفقان عليه فاختار معاوية وأصحابه عمرو بن العاص القائد الداهية، واختار أصحاب علي أبا موسى الأشعري أحد الأشراف وكان في سن الشيخوخة؛ فخدعه عمرو في حديث طويل (تراه في تاريخ الطبري وابن الأثير) فخلع أبو موسى صاحبه عليا، وأثبت عمرو صاحبه معاوية، وعلي في الكوفة ومعاوية في الشام، فانصرف الناس كل فريق إلى صاحبه وسلم أهل الشام على معاوية بالخلافة، وأسف علي على ما كان ثم خرجت عليه الخوارج فما زال في حروب وخطوب حتى اعترضه عبد الرحمن بن ملجم المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه وهو واقف بباب مسجد الكوفة يصيح بالناس: «الصلاة الصلاة» فضربه بسيفه فأصاب قرنه وفر فشد عليه الناس فأمسكوه، وأخذ علي إلى منزله فجمع بنيه وأوصاهم بما يصلح به دينهم ودنياهم وأمرهم أنه إذا مات فليقتلوا ابن ملجم ولا يمثلوا به، ففعلوا ذلك، ودفن أمير المؤمنين بالكوفة عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة، وقال القلقشندي: دفن بالنجف.
ولم يتسع أجل علي (كرم الله وجهه) لتكون له أوليات كبيرة، وإنما عرف له منها أنه أول من وضع «بيت القصص» وهو غرفة يلقي بها الناس رفاعهم وشكاواهم، وتبعه بمثله بعض خلفاء بني العباس (ذكره ابن أبي الحديد).
وأما خطبه وأقواله فقد جمعت في كتاب سمي «نهج البلاغة» وربما شك بعض الناس في نسبة جميعه إلى علي، وهو في أعلى طبقة من طبقات كلام البشر يحسن بكل مشتغل في اللغة والأدب والإنشاء أن يكثر من تلاوته، وقد شرحه أحد كبار علماء المعتزلة ابن أبي الحديد شرحا وافيا (انظر ترجمة ابن أبي الحديد)، وفي هذا الشرح الكبير تجد جميع أخبار أمير المؤمنين وجانبا عظيما من أخبار صدر الإسلام والمباحث الجدلية والفلسفية النافعة.
[ ١٢٦ ]
ومن كلامه: المرء مخبوء تحت لسانه، الناس أعداء ما جهلوا، لا راحة لحسود، لا مروءة لكذوب، الراحة مع اليأس، من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه واستخفاف به، كفى أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك، من أكثر من شيء عرف به الناس، من خوف الذل في الذل، خير أموالك ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، من عذب لسانه كثر إخوانه، بالبر يستعبد الحر، إذا تم العقل نقص الكلام، النصح بين الملأ تقريع، من أكثر فكره في العواقب لم يشجع، من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل.
وجاء في إحدى خطبه بصفين يوصي الجيش: «لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم؛ فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا ولا تأخذوا مالا ولا تهيجوا امرأة وإن شتمتكم؛ فإنهن ضعاف الأنفس والقوى».
ومن كلامه: قصم ظهري رجلان؛ عالم متهتك، وجاهل متنسك، هذا ينفر الناس بتهتكه، وهذا يضل الناس بتنسكه، ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض.
وقال لابنه الحسن: يا بني، ابذل لصديقك كل المودة ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة، وأعطه كل المواساة ولا تفش له كل الأسرار.
وقال: من كثر دينه لم تقر عينه، من فعل ما شاء لقي ما ساء، من استعان بالرأي ملك ومن كابد الأمور هلك، من حسنت ساستة دامت راسته، من ركب العجلة لم يأمن الكبوة.
وعنه ﵁: الوحدة راحة، والعزلة عبادة، والقناعة غنى، والاقتصاد بلغة، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير، ولا تعرف الناس إلا بالاختبار؛ فاختبر
[ ١٢٧ ]
أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، والتودد والملق عند عطلتك، لتعلم بذلك منزلتك.
وجاء في خطبة أثبتها له الجاحظ في البيان والتبيين:
أما بعد؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة؛ فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وألزمه الصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم - يريد بني غامد - ليلا ونهارا سرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقتل ابن حسان البكري وأزال خيلكم من مسالحها وقتل منكم رجلا صالحين، وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع أحجالها وقلبها ورعثها، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم حلما فلو أن امرأ مسلما مات من بعدها أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان عندي جديرا بها فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في باطلهم وفشلكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى وفينا ينهب، يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الحر قلتم حرارة القيظ أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير في البرد قلتم أمهلنا حتى ينسلخ عنا القر كل هذا فرارا من الحر والقر؟ فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر، يا أشبه الرجال ولا رجال! ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الخجال! وددت أن الله أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم والله لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفتكم، والله حرت ندما وورثتم صدري غيظا وجرعتموني الموت أنفاسا وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع، ولكن لا علم له بالحرب الله أبوهم! وهل منهم أحد أشد
[ ١٢٨ ]
لها مراسا وأطول لها تجربة مني؟ لقد مارستها وما بلغت العشرين فيها وقد نيفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع».
قال الجاحظ: وهذه الخطبة خطب علي بها الناس وهو جالس على باب السدة، أقول: وذلك في الكوفة؛ فإنه كان اتخذها دار إمارة له.
وروى له أصحاب المجاميع والأقاصيص شعرا جعلوه في كتيب سموه (ديوان علي بن أبي طالب)، وجله أو كله مما ينطق ببراءته من علي لبعده عن بلاغة معاني أمير المؤمنين وضخامة ألفاظ ذلك الجيل العربي المحض وما يذكرونه ويعزونه إليه أشبه بشعر الفقهاء والمؤدبين فأين هو من ناشر لواء البلاغة (عليه رضوان الله وسلامه)، وقرأت في تاريخ النحاة للسيوطي كلمة نقلها عن المرزباني قال: ما صح عندنا ولا بلغنا أن علي بن أبي طالب قال
شعرا إلا هذين البيتين:
تلكم قريش تمنتني لتقتلني … فلا وربك ما برؤوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم … بذات روقين لا يعفو لها أثر
* * *
[ ١٢٩ ]