ولد سنة ٤٠. ق. هـ وتوفي سنة ٢٣ هـ
مضى الخليفة الراشد الأول لسبيله بعد أن اختار للمسلمين إماما كان له من الذكر ما لم يكن لأحد من قبله ومن بعده أعني ثاني الخلفاء الراشدين أبا حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، ذلك الرجل الكبير، وما أحسبني إلا على شيء من الجرأة وقد هممت بالإشارة إلى بعض نبأه في صفحات يسيرة من هذا الكتاب الذي يضيق عن الإطالة والإكثار من الأخبار، ولكن قول: ما لا يستطاع كله لا يترك قله، حدا بي أن أقول:
كان عمر ﵁ من شرفاء العرب ووجوههم في الجاهلية والإسلام.
أما في الجاهلية فكانت له السفارة في قريش، وذلك أنهم إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حتي لمفاخرة جعلوه منافرا وراضوا به. وأما في الإسلام فحسبك أن رسول الله ﷺ كان يدعو ربه أن يعز به دينه، وكان يرزق من التجارة بين الشام والحجاز حتى ولي الخلافة.
أسلم قبل الهجرة بخمس سنين ونصر الإسلام نصرا بينا، وكان شجاعا مهيبا طويل القامة، إذا مشى فكأنه راكب والناس يمشون.
وبويع بالخلافة سنة ١١ هـ يوم وفاة أبي بكر، فحذا حذوه وسلك سبيله، فسير البعوث وجيش الجيوش؛ فأتم فتح الشام والعراق وفتح القدس والمدائن ومصر والجزيرة، ودون الدواوين على الطريقة الفارسية لإحصاء أرباب الأعطيات وتوزيع المرتبات المالية عليهم، ووضع للمسلمين التاريخ الهجري، وكانوا يؤرخون بالوقائع الشهيرة كعام الفيل وعام الفجار، وكانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير الفارسية والرومية فضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية وزاد في
[ ١١٤ ]
بعضها «الحمد لله» وبعض «محمد رسول الله»، واتخذ بيت مال للمسلمين، وأمر ببناء مدينتي البصرة والكوفة فشيدتا، وهو أول من دعي بأمير المؤمنين، وكانوا ينادونه يا خليفة خليفة رسول الله، فاستثقلت، وضرب بعدله المثل.
قال علي بن أبي طالب ﵁: «إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة فسبقا والله سبقا بعيدا، وأتعبا والله من بعدهما إتعابا شديدا، فذكرهما حزن للأمة وطعن على الأئمة …»
وكان يطوف في الأسواق منفردا ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وقصة «اضرب ابن الأكرمين» من غريب أخباره روى أنس بن مالك فقال: بينا كان عمر جالسا أتاه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك، فقال عمر: لقد عذت بمجير فما شأنك؟ فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص (وهو يومئذ أمير مصر) فجعل يعلوني بسوطه، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فبلغ ذلك أباه عمرا فخشي أن آتيك، فحبسني في السجن، فانفلت منه حتى أتيتك، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج، وقعد عمر مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه، فقام المصري، فرمى إليه عمر بالدرة (وهي سوطه)، وأشار إليه أن يضرب ابن عمرو.
قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى اشتهينا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين! فقال المصري: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت، قال: ضعها على ضلع عمرو، قال: يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع، ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو! متى
[ ١١٥ ]
تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ فجعل عمرو يعتذر إليه، ويقول: إني لم أشعر بهذا.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: وشهد عند عمر شاهد فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل: فأثنى عليه خيرا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، فقال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى؟ قال: نعم! فقال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل: اذهب فائتني بمن يعرفك.
وذكر عنده رجل فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا، فقال: ذاك أوقع له فيه.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري كتابا يوصيه فيه: نقله ابن قتيبة في عيون الأخبار، نصه: «أما بعد؛ فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني، وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا؛ فآثر نصيبك من الله؛ فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، أخف الفساق واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد مريض المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك؛ فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطمعك ومركبك ليس للمسلمين مثلها؛ فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة: مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العاقل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به والسلام».
[ ١١٦ ]
وهذه خطبة أوردها له أبو جعفر الطبري قال: قال عمر:
«إن الله ﷿ قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإنني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر قد تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم أمري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذنني إنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله ﷿ قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله».
ومن كلامه ﵁: لا تؤخر عمل يومك إلى غدك.
- لست بخب والخب لا يخدعني.
- اتقوا من تبغضه قلوبكم.
- إنما مثل العرب: مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده.
- لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خلال اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، والإمساك في غير بخل، والسماحة في غير سرف؛ فإن سقطت واحدة منهن فسدت الثلاث.
- من كتم سره كان الخيار في يده.
[ ١١٧ ]
- من ذوي القرابات أن يتازوروا ولا يتجاوروا.
- تعلموا المهنة؛ فإنه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته.
- إياكم والمعاذير؛ فإن كثيرا منها كذب.
ولما كان فجر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، ووقف عمر للصلاة بالناس فاجأه فيروز أبو لؤلؤة الفارسي غلام المغيرة بن شعبة فطعنه في خاصرته بخنجر ذي رأسين مسموم فسقط عمر، فانهال الناس على الفارسي يريدون القبض عليه فطعن منهم ثلاثة عشر رجلا هلك سبعة منهم، ثم طعن نفسه فمات منتحرا.
واختلف أصحاب الأخبار في الدافع الحقيقي لأبي لؤلؤة على عمله فقيل: إنه شكا لعمر ارتفاع الخراج الذي ضربه عليه مولاه المغيرة فلم يره كثيرا فحقد عليه فضربه.
وقيل غير ذلك، وكله وهم وأمور اتخذها الغلام الفارسي ليستر بها مؤامرة سياسية كانت بينه وبين جنينة النصراني من أهل الحيرة، والهرمزان الفارسي، ولا يعلم إن كان ثمة غيرهما فإن عمر أبقى في قلوب الفرس والروم جروحا لا تأسوها اليوم، أو ليس الذي قوض أركان دولة الأكاسرة وزلزل عروش القياصرة بحزمه وبأس رجاله؟ كان فيروز الفارسي رجلا غيورا على أمته أخذته الآلام مما صنع أمير المؤمنين بقومه فأراد الانتقام ففعل ما فعل.
وأخذ عمر إلى داره فدعا بعلي وعثمان والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وأمرهم أن يتشاوروا في أمر الخلافة وأن ينتظروا طلحة؛ فإن أبطأ فليقضوا بأحدهم وأن يشهدهم عبد الله بن عمر (ابنه) وليس له أن يولي، وإنما صنع ذلك ليتخلص من تبعة خلفه وليكون أمر المسلمين شورى، وقيل له في ذلك، فقال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني (يريد رسول الله) وإن استخلفت فقد
[ ١١٨ ]
استخلف عليكم من هو خير مني (يعني أبا بكر)، وكأنه بهذا القول يشير إلى خيرة عرته في الأمر، فاختار سنة النبي الأمين ولم يعهد إلى أحد، وعاش ثلاث ليال ثم لقي ربه.
هذا ما اتسع المجال لإيراده من أخبار أعدل الخلفاء وأمير الأمراء (رضوان الله ورحمته عليه) وإن شئت الزيادة فعليك بكتاب أشهر مشاهير الإسلام؛ فهناك نحو ثلاث مئة صفحة جمعت من أخباره ما لا تراه في غيرها.