فلو بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ما تريد، وإن ظفروا ملكت بلادا بلا مشقة، فبعث كسرى معه من في سجونه وهم نحو ثمان مئة رجل وأمر عليهم رجلا من أشراف العجم اسمه وهرز بن الكامجار وهو شيخ مسن، فسار بهم حتى بلغوا الأبلة، فركبوا البحر في ثمان سفائن وخرجوا بساحل عدن فأقبل عليهم رجال اليمن يناصرونهم، فقتلوا ملك الحبشة وهو مسروق بن أبرهة الأشرم، ودخلوا صنعاء وضبطوا البلاد وكتبوا إلى كسرى بالفتح، فألحقت اليمن ببلاد الفرس، على أن يكون ملكها والمتصرف في إدارتها سيف بن ذي يزن الحميري، واتخذ سيف غمدان قصرا له، وعاد الفارسيون إلى بلادهم بأمر كسرى، واستبقى سيف جماعة من السودان أشفق عليهم وجعلهم خدما له، ووفدت عليه وفود العرب تهنئه، ومكث في الملك نيفا وعشرين سنة، فاتفق عبيده الذين كانوا من بقايا الدولة الحبشية على قتله، فشدوا عليه يوما وهم بين يديه في موكبه بصنعاء فضربوه بحرابهم حتى قتلوه (سنة ٤٩ ق. هـ)، وبلغ كسرى خبر قتله فأرسل إلى اليمن جيشا آخر أفنى من بها من السودان.
وظلت اليمن تابعة لملوك فارس حتى جاء الإسلام وافتتحها المسلمون سنة ١٣ للهجرة .. وتجد أخبار الملك سيف في كتاب مروج الذهب للمسعودي، والكامل، وتاريخ الطبري، والسيرة لابن هشام، والأخبار الطوال للدينوري، وتاريخ الحبشان للقنائي ودائرة المعارف للبستاني وأكثر كتب التاريخ والأخبار.
عمرو بن هند
قتل سنة ٤٤ ق. هـ
أوردنا فيما تقدم ترجمة المنذر بن ماء السماء من ملوك الحيرة الذي قتله الحارث الغساني، وقد استولى على ملك العرب من قبل الفرس بعد المنذر ابنه صاحب هذه الترجمة عمرو بن المنذر بن ماء السماء، واسم أم عمرو: هند
[ ٩٨ ]
الكندية عمة امرئ القيس الشاعر، وإليها ينتسب عمرو، كما انتسب أبوه إلى أمه ماء السماء، ولما تملك عمرو وانتظم أمره أكثر الغزو وأظهر قوة وبأسا، فشاع خبره، وهابته العرب، وأطاعته القبائل، وكان شجاعا فاتكا، وأخباره كثيرة، وهو صاحب صحيفة المتلمس (انظر قصتها في ترجمته). وقاتل طرفة ابن العبد (انظر ترجمته)، ويلقب بالمحرق: لشدته وبطشه، أو لأنه أحرق مئة رجل من بني تميم وقصتهم لا بأس بالإشارة إليها، وذلك أن ملوك العرب كانوا كثيرا ما يرسلون أطفالهم إلى بعض القبائل المطيعة لهم ليتربوا بها تربية بعيدة عن زهو الملوك وكبرياء الأمراء قريبة من السذاجة ويتعلموا الفروسية والرماية ومهاجمة الأبطال، وكان لعمرو أخ اسمه أسعد (^١)، دفعه أبوه إلى بني تميم يتربى بينهم، فلما ترعرع وأخذ يتعلم الرماية مرت به ناقة سمينة فعبث بها فرماها بسهم أصابها فقتلها، فغضب صاحبها سويد الدارمي التميمي فضرب أسعد فقتله، ثم علم الملك عمرو بن هند بما أصاب ابنه فحلف ليحرقن من بني دارم مئة رجل وقصدهم بجيش حتى بلغ أوارة (موضع لبني تميم بناحية البحرين) فظفر منهم بجماعة فأحرقهم، وبآخرين فألحقهم بهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلا فمر رجل من البراجم (وهم خمسة رجال من بني تميم) فشم رائحة الحريق فظن وليمة، ولم يبلغه الخبر، فمال إليه، فلما رآه عمرو بن هند قال: ممن أنت؟ فقال: رجل من البراجم، فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم فأرسلها مثلا، وأمر به فألقي في النار، وبرت يمينه.
وصارت تميم تعير بالشره وحب الأكل. قال شاعر يهجوهم:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرك أن يعيش فجي بزاد
وعاد عمرو وقد خافته القبائل، فبينما هو يوما في مجلس له قال لجلسائه:
_________________
(١) هذا قول ياقوت في معجم البلدان في كلامه على أوارة (جـ ١، ص ٣٦٤)، وأما ابن الأثير فقال في الكامل: إن أسعد ابن لعمرو بن هند (جـ ١، ص ١٩٩).
[ ٩٩ ]
هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي، قالوا: ما نعرفه، إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل وزوجها كلثوم وابنها عمرو، فكتب الملك عمرو إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويدعو والدته إلى زيارة أمه، فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى فنزل على شاطئ الفرات، وعلم الملك عمرو بقدومه فأمر فضربت له الخيام بين الحيرة والفرات، وضرب سرادقا لأميهما: هند وليلى، وقال: لأمه هند، إذا فرغ الناس من الطعام فنحي خدمك عنك ومري ليلى فلتناولك الشيء بعد الشيء يريد أن تستخدمها، ثم أرسل إلى عمرو بن كلثوم ومن معه فحضروا ونزلوا في الخيام، وجلس القوم للطعام في سرادق الملك، فلما انتهى وقت الطعام طلبت هند من ليلى أن تناولها حاجة، فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، فصاحت ليلى: واذلاه يا آل تغلب فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم وكان السرادقان متقاربين، فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فقفز من بينهم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه فضرب به رأس الملك عمرو ابن هند فقتله وخرج فتبعه أصحابه فانتهبوا ما في الخيام وانهزم رجال عمرو بن هند.
قال أفنون التغلبي:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا … لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا … وأمسك من ندمائه بالمخنق
وجلله عمرو على الرأس ضربة … بذي شطب صافي الحديدة رونق
ولعمرو بن كلثوم قصيدة هي من أفضل المعلقات بناها على قتله لعمرو بن هند وسيأتي ذكرها في ترجمته (انظر ديوان الشعراء)، وبعد قتل الملك عمرو تولى مكانه أخوه قابوس بن المنذر الذي تلاه المنذر الرابع الذي ولي بعده ولده النعمان بن المنذر الآتي ذكره.
[ ١٠٠ ]