ما زالت شريعة حموربي ومؤسسها موضع عناية الباحثين وتنقيب المنقبين حتى تضاربت بهما الأقوال واختلفت إلى مظان آثارهما رحال الرجال، والذي اتضح لهم بعد البحث أن مقر الدولة الحموربية كان في القطر العراقي، وأن عاصمتها مدينة بابل: دلهم على ذلك ما وجدوه من آثارها الماثلة للباحث عنها فيما بين النهرين، حيث ظهرت أنقاض مدرسة صغيرة (في مدينة زيبارا) يرجع عهد بنائها إلى ما يقارب ثلاثة آلاف سنة قبل الهجرة، وعثروا بجوارها على كثير من الآجر المشوي والأحجار المنبسطة منقوشا عليها نصوص تاريخية وصكوك وعقود ورسائل وأدعية دينية كتبت بالحروف المسمارية مما استدل منه العلماء الجيولوجيون على أن تلك الدولة يرجع عهد تأسيسها إلى نحو القرن الثاني والثلاثين قبل الهجرة، وهو رأي القائلين بأن حموربي كان معاصرا لإبراهيم الخليل، وأنه هو المذكور في سفر التكوين من التوراة باسم (امرافل) موحد المملكة البابلية، قاله الأب شيل الدومنيكي، وحبذ هذا الرأي العلامة الأب انستاس الكرملي قال في لغة العرب: إن الرأي القائل بأن حموربي وامرافل اسمان لمسمى واحد قريب الاحتمال ولو اختلف مبناهما.
وأمرافل: لفظة سنسكريتية من امر ابلا Amarapala ومعناها: حامي المخلدين، وحموربي: آرامية تفيد ما يقارب هذا المعنى وهو رب الأرباب.
ودولة حموربي وإن جزم بعض فضلاء المؤرخين كصاحب (العرب قبل الإسلام) وغيره بأنها عربية الأصل واللسان؛ فإن جل علماء الآثار والعاديات ما برحوا في شك من ذلك: فيهم من يقول: إن حموربي عربي لا دولته، وفيهم القائل بأن الأسرة المالكة والدولة معا كانوا عربا ينطقون باللسان العربية المتداولة في تلك العصور، وهي تختلف عن لسان عرب اليوم، وتشبه لغة الآشوريين «سكان
[ ٦٨ ]
نينوى وما جاورها»، وكانوا معاصريهم ومجاوريهم ويتفقون معهم في كثير من أزيائهم وعاداتهم وطراز بنائهم.
والحموربيون إذا ثبتت عربيتهم بما سيكتشفه المنقبون من آثارهم يكونون أول دولة عربية عرف بها تاريخ البشر ووصف حضارتها ومدينتها بما أفصحت عنه الأطلال الشاخصة بها، وفي (العرب قبل الإسلام) أن بعض الباحثين ظفر في بلاد السوس (فيما وراء النهر) بمسلة (^١) من الحجر الأسود الصلب قد نقشت عليها شريعة حموربي مؤلفة من ٢٨١ مادة تبحث في طبقات الأمة وحقوق المرأة وواجباتها والزواج والإرث، وعثر آخرون على كتابات تدل على معرفتهم بفنون الجراحة والطب، وبالجملة؛ فإن الأمة الحموربية وإن ظلمها التاريخ بإغفال ذكرها وإهمال أمرها فستظهرها آثارها الخالدة وتفصح عنها بناياتها وأنقاضها حتى تكون في عداد الدول القديمة المعروفة ذات المكانة الرفيعة والمنزلة السامقة والمجد والإعظام.
قحطان