الملك الأكبر من ملوك الدولة الحميرية الثانية في بلاد اليمن، كان يلقب بتبع، كما كان الفرس يدعون كل ملك منهم كسرى (معرب خسرو الفارسية)، والروم قيصر (معرب: Cesar)، والترك خاقان، والحبشة النجاشي (معرب انكاش، في الحبشية، وهي بالكاف المسمة بالجيم، كما في العبر).
وامتاز تبع هذا بأنه ورد ذكره وذكر قومه كثيرا في الأخبار الإسلامية، وهو من ذوي الفتوح والشأن، واسمه حسان وأبوه تبع أسعد أبو كرب الحميري (قاله أبو الفداء). كان من أعاظم ملوك حمير، ولعله أكثرهم غارات وأظفرهم كتائب.
قال الإمام ابن عساكر في تاريخ الشام: سار تبع بجيش عرمرم حتى انتهى إلى
[ ٧٧ ]
سمرقند يغزو ويفتتح وكلما دخل مدينة أو قرية كبيرة اختار من كلمائها وذوي العقول الراجحة من أبنائها عددا لا يقل عن العشرة فاستصحبهم معه، ثم انصرف فأخذ طريق الشام، فامتلك دمشق واعتقل منها أحبارا من اليهود جعلهم فيمن سير معه من الحكماء، وما كر راجعا نحو اليمن إلا وبين يديه من الأحبار والكهنة والحكماء ما يناهز أربعة آلاف رجل، وبينما هو سائر إلى اليمن كان الأحبار يحدثونه عن الأديان والكتب السماوية حتى استمالوه إليهم، ولما قرب من مكة شاع في الناس أنه يريد هدم الكعبة؛ فهرع إليه الأحبار فحدثوه بشأن الكعبة وأنها بيت الله وما زالوا به إلى أن كانت لها في نفسه هيبة؛ فخلع ثيابه محرما واصطفى دين إبراهيم الخليل، ودخلها فقضى نسكه وكساها سبعة أثواب، فهو أول من كسى البيت، ثم مر ببقعة يثرب (المدينة) وعاد إلى اليمن فاستمرت بينه وبين قومه مناظرات في أمر دينه الجديد، وكانوا وثنيين يعبدون بيتا شيدوه يزعمون أن به إلها يكلمهم ويخرج إليهم، وثبت تبع، وتبعه جماعات منهم وأحرق كثيرا من الذين قاوموه في نشر دينه، واعتزله جماعة بقوا على دياناتهم فهدم تبع وأصحابه بيت عبادتهم، واتخذ في اليمن مدينتي «مأرب» و«ظفار»، فجعلهما سكنا له يقيم في أيام الشتاء بمنزل في مأرب مبني بالصفائح الذهبية، ويقضي فصل الصيف في «ظفار» بمنزله المبني من الرخام، وجعل في مأرب مكانا ينشأ أبناء الملوك من حمير يتعلمون به اللغة والأخلاق فهو كمدرسة للعلم والتربية، ثم ثار عليه جمع من قومه فقتلوه، وقيل: بل مات في «غلسان» من بلاد الهند.
هذه أخبار تبع حسان اليماني لخصتها كما ترى عن بعض الكتب العربية الموثوق بها عند أصحاب هذه اللغة، وأما آثار التبابعة فحتى يومنا الذي نحن فيه لم ينكشف للباحثين من أمرها غامض ولا وضحت حقيقة وعساها تنبئ الأطلال الدارسة بأقدار بناتها وأهليها الأولين ولو بعد حين، أما زمن صاحب الترجمة فلم أر ما أثق به من الأقوال الصريحة في كتب التواريخ غير كلمة يستأنس بها الآن أوردها الحافظ ابن عساكر قال: وبين تبع ومولد رسول الله ﷺ ألف
[ ٧٨ ]
سنة، فأضفت ما بين مولد النبي وهجرته إلى الألف فكان مجموعهما ألف سنة وثلاثا وخمسين سنة، وإنما هو تقدير وتقريب: وقد يحسن إيرادهما ويحتج بهما عند فقدان الحقيقة وامتناع التأكيد.
وينسبون لتبع هذا شعرا يزعمون أنه ناظمه وأثبت شيئا منه ابن عساكر في تاريخه، أما عندي فلا يثبت من ذلك شيء ونحن نرى الخلاف في أسماء ملوكهم قائما فكيف بما يعزى إليهم من الشعر على كثرة ناظميه والمشتغلين فيه.
عمرو بن لحي