أبو المغيرة قصي، واسمه زيد، بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي: كان سيد قريش ورئيسهم والمشار إليه منهم. مات أبوه وهو طفل صغير. فتزوج [ت] أمه، فاطمة بنت سعد، رجل من بني عذرة يدعى ربيعة بن حرام، وسار بها الشام فأخذت قصيا معها، فشب في حجر ربيعة، وسمي قصيا لبعده عن دار قومه، فكان قصي ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر فكان بينه وبين رجل من قضاعة شيء فعيره القضاعي بانتسابه لغير أبيه، فعاد إلى أمه فسألها فأخبرته، فلما كان الشهر الحرام خرج مع الحاج حتى قدم مكة فتعرف إلى قومه من قريش فعرفوه؛ فأقام بينهم وكثر ماله، وكان موصوفا بالدهاء والعقل ومعرفة الطرق الموصلة إلى السيادة والرياسة، فعظم شرفه، وولي الكعبة، ثم كانت له مع القبائل حروب ووقائع رفعت ذكره واضطرته أن يجمع قومه إلى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسموه مجمعا. وملكوه عليهم فكان أول قرشي من ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاعه به قومه. وقسم مكة أرباعا ومنازل بين قومه فبنوا بها المساكن، وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله. قال في كامل التواريخ: وتيمنت قريش بأمره ورأيه فكانت لا تعقد نكاحا إلا في داره ولا يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء للحرب إلا في داره يعقده بعض ولده، وكان أمره في قومه كالدين المتبع في حياته وبعد مماته.
وحفر بمكة بئرا سماها العجول وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة، ولما كبر وبلغ سن الهرم جلس في دار الندوة، وهي دار في مكة كانت قريش تجتمع بها في قضاء أمورها، وجمع بنيه وكانوا قد شبوا وسادوا فرأى أكبرهم سنا أضعفهم شأنا، وهو ولده عبد الدار، فأشفق عليه فقال له: والله لألحقنك بهم، فأعطاه
[ ٣٤ ]
رئاسة دار الندوة، وحجابة الكعبة، واللواء - فكان يعقد لقريش ألويتهم في الحروب - والسقاية - فكان يسقي الحاج، والرفادة وهي سنة سنها قصي في قريش، وذلك أنهم كانوا يأتونه في كل موسم بشيء من أموالهم يصنع منه طعاما للحاج يأكله الفقراء.
قال ابن الأثير في كلامه على الرفادة وكان قصي قد قال لقومه إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام منى. قال وجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام إلى الآن فهو الطعام الذي يصنعه الخلفاء كل عام بمنى.
ثم مات قصي بمكة فخلفه بالسيادة أبناؤه ودفن بالحجون فكانوا يزورون قبره ويعظمونه، وهو الأب الخامس من آباء النبي ﷺ وفي جمعه القبائل يقول الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر
عبد مناف